الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
73
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المعنيين لعدم قيام قرينة على كون الخطاب بأي من العرفين فهل يقدم الأول أو الثاني أو يتوقف بينهما أقوال والأول مختار الشريف الأستاذ ره ويحكى القول به عن ظاهر السيد والثاني محكي عن العلامة أو الشهيد الثاني والثالث مختار جماعة من المتأخرين منهم صاحب المدارك واختاره في الفوائد وتفصيل الكلام في المرام مع خروجه عن خصوص المقام أن يقال إنه إذا صدر الخطاب من خصوص المتكلم وكان عرفه وعرف المخاطب وعرف المحل الذي وقع الخطاب فيه متحدا فلا إشكال في حمله مع الإطلاق على ذلك العرف وكذا إذا لم يكن للمحل أو المخاطب أو المتكلم عرف مع اتحاد الآخرين أو انحصر الحال فيه في عرف المحل أو المتكلم أو المخاطب فهذه وجوه سبعة فلا إشكال فيها حيث لا دوران هناك نظرا إلى انحصار العرف في معنى واحد وإن اختلف الحال فإما أن يكون باختلاف عرف المتكلم لعرف المخاطب مع انتفاء العرف في المحل أو موافقة لأحد العرفين أو باختلاف عرف المتكلم لعرف المحل مع انتفاء عرف المخاطب وموافقة لعرف المتكلم أو باختلاف عرف المخاطب لعرف المحل مع انتفاء عرف المتكلم أو باختلاف كل منهما للآخر فهذه أيضا وجوه سبعة يقع التأمل فيها وإن اختلف عرف المتكلم والمخاطب مع انتفاء العرف في محل الخطاب فالأظهر تقديم عرف المتكلم إذ الظاهر من المخاطبات الدائرة بين الناس مراعاة المتكلم لعرف نفسه والوضع الحاصل بملاحظة اصطلاحه إن ثبت له عرف ولذا يقدم العرف الخاص على اللغة والعرف العام من غير خلاف يظهر بينهم وليس ذلك إلا من جهة ظهور جريه في الكلام على وفق مصطلحة وهو بعينه جار في المقام ومتابعة في الاستعمال العرف المخاطب مجرد احتمال لا ظهور فيه ليزاحم الظهور المذكور حتى يقضى بالوقف بين الأمرين فالظاهر المذكور يتبع في المقام حتى يجيء هناك ما يزاحمه من ملاحظة الخصوصيات في بعض المقامات لما عرفت من أن المدار في أمثال هذه المسائل على حصول الظن كيف كان وقد يقرر الاحتجاج المذكور بملاحظة الغلبة فإن عادة الناس جارية على المكالمة بمقتضى عرفهم وعدم متابعتهم لاصطلاح الغير في محاوراتهم إلا لقصد التعلم أو فائدة أخرى وأورد عليه بأن المسلم من الغلبة المذكورة ما إذا كانت المكالمة مع من يوافق عرفه عرف المتكلم وأما إذا كانت مع من يخالف عرفه لعرفه فالغلبة المدعاة ممنوعة بل الظاهر عدمها وإلا لما خفيت على من يذهب إلى خلاف القول المذكور وفيه أنه لما تحققت الغلبة في معظم المحاورات فمع حصول الشك في الصورة المفروضة وهو ما إذا كانت المخاطبة مع من يخالف عرفه ففي ذلك بإلحاقه بالأعم الأغلب ولا يعتبر ثبوت الغلبة في خصوص الصورة المفروضة بل حصولها في معظم المحاورات كاف في تحصيل المظنة في محل الكلام نعم يعتبر أن لا يحصل هناك غلبة في خصوص المورد على عكس الغالب في سائر الموارد ليزاحم بها الغلبة المفروضة وهي غير محققة في المقام ولو على سبيل الظن قطعا ثم دعوى انتفاء الغلبة في خصوص المقام من جهة ذهاب المخالف إلى عدم الحمل عليه غير متجهة وأي بعد في خفاء الغلبة المذكورة عليه وكم له من نظائر في سائر المباحث على أنه قد يكون ذلك من جهة اعتقادهم ما يعارض ذلك مما يعادله أو يترجح عليه وقد يومي إليه ملاحظة ما احتجوا به في المقام وربما يحتج لذلك أيضا بأنه لو حمل الكلام على عرف المخاطب لزم المجاز وهو مخالف للأصل فلا يحمل عليه إلا بعد دلالة القرينة وهو في وضوح الفساد بمكان لا يحتاج إلى البيان حجة القول بتقديم عرف المخاطب أن في تكلمه بمقتضى عرفه إغراء بالجهل حيث إن المخاطب يحمله على عرف نفسه فلا يصدر من الحكيم وقد ورد أن النبي صلى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام إنما يخاطبون الناس بما يعقلونه فينبغي أن يكون مخاطبتهم بمقتضى عرف مخاطبيهم ولا يذهب عليك وهن كل من الوجهين المذكورين فلا حاجة إلى إطالة الكلام فيما يرد عليهما حجة القول بالوقف كون اللفظ مشتركا بين المعنيين وصحة تكلم المتكلم على كل من عرفه وعرف مخاطبة فلا يحكم بأحدهما إلا بعد قيام القرينة عليه وقد ظهر ما فيه مما قررناه أن صحة التكلم على الوجهين لا ينافي ظهوره في أحدهما مع انتفاء القرائن حسبما بيناه ثم إنه لو كان عرف المتكلم موافقا لعرف البلد فالأمر فيه حينئذ أظهر وظهور الحمل على العرف المذكور حينئذ مما لا ينبغي التأمل فيه كما لا يخفى بعد ملاحظة الاستعمالات فتوقف بعض الأفاضل في هذه الصورة أيضا ليس على ما ينبغي نعم لو وافق عرف المخاطب عرف المحل فلا يخلو المقام عن إشكال لاتباعهم عرف المحل كثيرا في المخاطبات سيما مع طول المكث فيه فللتوقف فيه إذن مجال سواء وافق عرف المخاطب أو لا وإن كان الإشكال في الثاني أظهر إلا أن يكون الحكم متعلقا ببلد المتكلم فيتحمل قويا ترجيح عرفه أيضا وكذا لو لم يتحقق مكثه في المقام قدرا يعتد به سيما مع اتحاد عرف المتكلم والمخاطب ولو دار الأمر بين عرف المحل وعرف المخاطب من غير أن يكون للمتكلم عرف فيه فلا يخلو الحال أيضا عن إشكال وإن كان ترجيح عرف المحل قويا مع طول مكثه فيه ولو دار الأمر بين الوجوه الثلاثة قوي تقديم عرف المتكلم أيضا إلا مع مكثه في المحل ففيه الإشكال المذكور ثم إن ما ذكرناه من الدوران فيما إذا كان المتكلم عارفا بعرف المخاطب أو المحل وأما مع جهله فلا تأمل في حمل كلامه على عرفه وكذا لو كان جاهلا بأحدهما في عدم حمل كلامه على العرف المجهول وكذا لو كان عالما بعرف المخاطب مع علمه بعدم علمه بعرفه وعرف المحل فإنه لا شبهة في حمله على عرف المخاطب إذا كان المقام مقام بيان ومع جهله بعلمه وعدمه وجهان وكذا لو شك في الحال هذا ولا فرق فيما ذكرناه بين ما إذا كان لكل من المتكلم أو المخاطب أو المحل عرف خاص في اللفظ المفروض أو يكون المعنى الثابت عند بعضهم هو المعنى اللغوي أو العرفي وبالجملة المراد بالعرف المنسوب إلى المتكلم أو المخاطب أو المحل أعم من الوجوه الثلاثة لاتحاد المناط في الجميع وإن اختلف الحال فيها ظهورا وخفاء بحسب المقامات الحادي عشر [ في أن وضع الألفاظ للأمور الخارجية أو الصور الذهنية . ] أنهم اختلفوا في كون الألفاظ موضوعة للأمور الخارجية أو للصّور الذهنية أو غيرهما أقوال ثالثها غير موضوعة لشيء من الأمرين وإنما هي موضوعة لنفس المفاهيم والماهيات مع قطع النظر عن الوجودين رابعها التفصيل بين الكليات والجزئيات فالكليات موضوعة بإزاء المفاهيم الكلية مع قطع النظر عن الوجودين والجزئيات الخارجية بإزاء الموجودات الخارجية والجزئيات الذهنية بإزاء الموجودات الذهنية وحيث إن الأقوال المذكورة غير خالية عن إبهام فبالحري توضيح الحال فيها في المقام فنقول إن القول بوضع الألفاظ للأمور الخارجية يحتمل في بادي الرأي وجوها أحدها أن يقال بوضعها للموجودات الخارجية على أن يكون الوجود الخارجي معتبرا في الموضوع له على سبيل الجزئية ثانيها أن يكون ذلك قيدا فيه على أن يكون القيد خارجا والتقييد داخلا ثالثها أن يقال بوضعها للمفاهيم باعتبار