الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
68
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ترجيح الأول وقد يناقش بأن أقصى ما يدل عليه ذلك ترجيح التخصيص على المجاز في العام الّذي لا يظهر له تخصيص سوى ما هو المفروض وإنما إذا ثبت تخصيصه بغير ذلك فهو كاف في الخروج عن الندرة فترجيح التخصيص الثاني يحتاج إلى الدليل ويمكن الذب عنه بأنه إذا ثبت ترجيح التخصيص في العام الذي لم يخصّص ففي غيره بالأولى لوهن العموم بعد تطرق التخصيص إليه حتى إنه قيل بخروجه بذلك عن الحجية في الباقي ثانيها أن ذلك هو المفهوم بحسب العرف بعد ملاحظة الأمرين كما إذا قال أكرم العلماء ثم قال لا يجب إكرام زيد فإنه لا شك في فهمهم من ذلك استثناء زيد من الحكم لا أنه يحمل الأمر في أكرم على الندب أو يتوقف في الأمرين فتأمل ثالثها ما عرفت عن شهرة القول بترجيح التخصيص ونص جماعة من فحول الأصوليين عليه فيقدم في مقام الترجيح لابتناء المقام على الظن هذا إذا لوحظ كل من التخصيص والمجاز في نفسه وقد يعرض لكل منها ما يوجب رجحان المجاز أو التوقف بينها كما إذا كان المجاز مشهورا أو كان التخصيص نادرا فهناك إذن وجوه منها أن يكون المجاز مشهورا والتخصيص بعيدا مرجوحا ولا شبهة إذن في ترجيح المجاز ومنها أن يكون التخصيص نادرا كما إذا اشتمل على إخراج معظم أفراد العام من غير أن يكون في المجاز مزية باعثة على الرجحان والظاهر حينئذ ترجيح المجاز أيضا لبعد التخصيص كذلك حتى إنه ذهب جماعة إلى امتناعه في بعض صوره ومنها أن يكون في المجاز مزية باعثة على رجحانه من غير أن يكون في التخصيص ما يوجب وهنه فإن كان رجحان المجاز من جهة شهرته وقد بلغ في الشهرة إلى حيث يترجح على الحقيقة بملاحظة الشهرة أو يعادلها فلا شبهة إذن في ترجيح المجاز وإلا ففي ترجيحه على التخصيص إشكال وقد يقال ترجيحه عليه مع كون الباعث على رجحانه الشهرة نظرا إلى كون الغلبة الحاصلة فيه شخصية بخلاف التخصيص فإنها غلبة نوعية والأظهر الرجوع حينئذ إلى ما هو المفهوم بحسب المقام بعد ملاحظة الجهتين ومنها أن يكون نادرا والتخصيص اللازم أيضا كذلك فقد يتخيل إذن بترجيح التخصيص أيضا لغلبة نوعه والأظهر الرجوع إلى ما هو الظاهر في خصوص المقام ومع التكافؤ فالتوقف ثانيها الدوران بين المجاز والتقييد والظاهر أن حكمه حكم الدوران بينه وبين التخصيص فالظاهر ترجيح التقييد لظاهر فهم العرف مؤيدا بما مر من الغلبة مضافا إلى أن التقييد قد لا يكون منافيا لاستعمال اللفظ له فهو وإن كان خلاف الظاهر أيضا إلا أنه راجح بالنسبة إلى ما كان مخالفته في الظاهر من جهة ارتكاب التجوز وقد يفصل بين التقييد الذي يندرج في المجاز بأن يستعمل المطلق في خصوص المقيد وما لا يجوز فيه فإن الأول نوع من المجاز مع التأمل في شيوعه فإن معظم التقييدات من قبيل الثاني فهو بمنزلة سائر المجازات بخلاف الثاني ولا يخلو عن وجه ثالثها الدوران بين المجاز والإضمار وقد نص العلامة رحمه الله في النهاية والتهذيب على تساويهما فيتوقف الترجيح على ملاحظة المرجحات في خصوص المقامات وكأنه الأظهر لشيوع كل من الأمرين واشتراكهما في مخالفة الظاهر ومجرد أشيعية المجاز على فرض تسليمه لا يفيد ظنا في المقام ليحكم ثبوت ما يتفرع عليه من الأحكام هذا إذا اختلف الحكم من جهة البناء على كل من الوجهين وأما إذا لم يكن هناك اختلاف كما في قوله تعالى واسئل القرينة فلا إشكال وذهب غير واحد من المتأخرين إلى ترجيح المجاز نظرا إلى كثرته وربما ضم إليه أفيديته وكلا الأمرين في محل المنع وبعد ثبوتها فكون ذلك باعثا على الفهم كما ترى وحكي عن البعض ترجيح الإضمار وكأنه من جهة أصالة الحمل على الحقيقة إذ لا مجاز في الإضمار ويدفعه أنه وإن لم يكن الإضمار باعثا على الخروج عن مقتضى الوضع إلا أن فيه مخالفة للظاهر قطعا فإن الظاهر مطابقة الألفاظ للمعاني المقصودة في الكلام فبعد كون الأمرين مخالفين للظاهر يحتاج الترجيح إلى مرجح وفيه تأمّل إذ بعد قيام القرينة الظاهرة على المحذوف ولا حاجة إلى ذكره بل قد يعد ذكره لغوا مخالفة فيه إذن للظاهر بخلاف المجاز للخروج فيه عن مقتضى الظاهر على كل حال نعم لو قيل بثبوت الوضع النوعي في المركبات وجعلت الهيئة الموضوعة هي ما كانت طارئة على الكلمات التي يراد بيان معانيها الإفرادية للمتوصل إلى المعنى المركب بعد ملاحظة وضع الهيئة من دون إسقاط شيء منها كان في الحذف إذن خروج عن ظاهر الوضع إلا أنه أجاز الواضع ذلك مع قيام القرينة على المحذوف إلا فيما قام الدليل على المنع منه حسبما فصل في محله وحينئذ فقد يقال بكون التوسع في المدلول وقد يجعل من قبيل التوسع في الدال فكيف كان يكون ذلك أيضا نحوا من المجاز وقد يشير إليه عدم الإضمار أو بعض أقسامه من جملة المجاز حيث يعبرون عنه بمجاز الحذف فتأمل رابعها الدوران بين المجاز والنسخ وقد نص في المنية على ترجيح المجاز عليه وكأنه مما لا ريب فيه لظاهر فهم العرف ولغلبة المجاز بالنسبة إلى النسخ وندور النسخ بالنسبة إليه وقد يقال بكون النسخ عن أقسام التخصيص فإنه تخصيص في الأزمان وقد مر ترجيح التخصيص على المجاز فينبغي إذن ترجيح النسخ عليه أيضا ويدفعه بعد تسليم كونه تخصيصا أنه ليس المراد بالتخصيص هناك ما يشمل ذلك بل المراد ما عداه لوضوح ندرة النسخ إلى المجاز وغيره وعدم انصراف الكلام إليه مع دوران الأمر بينه وبين المجاز وبالجملة أنه ليس من التخصيص المعروف الذي مرت الإشارة إليه نعم لو كان نفي الحكم بالنسبة إلى بعض الأزمان مندرجا في التخصيص المعروف لم يبعد ترجيحه على المجاز كما إذا قال أكرم زيدا كل يوم ثم قال بعد عدة أيام لا يجب عليك إكرام زيد ومن الغريب حينئذ البناء على تخصيص الحكم بالأيام السابقة إلا أنه قد يتأمل في اندراج ذلك في النسخ المذكور في المقام هذا ولو كان ورود ما يحتمل النسخ بعد حضور وقت العمل تعين الحكم بالنسخ لما تقرر من عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو حينئذ خارج عن محل الكلام هذا إذا علم انتفاء البيان السابق وأما مع الشك فيه كما هو الحال في غالب الأخبار الواردة عندنا سواء كانت نبوية ليحتمل كونها هي الناسخة أو إمامية لا يحتمل فيها ذلك لقيام احتمال كونها كاشفة من النسخ فالظاهر فيها ترجيح المجاز لما قلناه ويحتمل التوقف في الأول أو ترجيح النسخ نظرا إلى أصالة عدم تقدم غيره خامسها الدوران بين التخصيص والتقييد كما في قولك أكرم العلماء وإن ضربك رجل فلا تكرمه فيدور الأمر بين تخصيص العام في الأول بغير الضارب وتقييد الرجل في الثاني بغير العالم وجهان التوقف في المقام حتى يظهر الترجيح من ملاحظة خصوصيات الموارد لشيوع الأمرين وتساويهما في كونهما مخالفين للأصل وترجيح التقييد لضعف شموله للأفراد بالنسبة إلى شمول العام فإن شمول العام لها بحسب الوضع وشمول المطلق من جهة قضاء ظاهر الإطلاق وأنه لا تجوز في التقييد في الغالب بخلاف التخصيص وكأنه الأظهر وقد يتأمل فيما لو كان التقييد على سبيل التجوز فاستعمال المطلق في خصوص المقيد إذ يقال حينئذ بكونه من المعارضة بين التخصيص والمجاز فتأمل وقد يعد ذلك من دوران الأمر بين إخراج بعض الأفراد من العموم أو تقييد الحكم فيما يراد إخراجه بعض الأحوال كما في قوله تعالى أوفوا بالعقود فإنه بعد ثبوت خيار المجلس مثلا