الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
69
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
في البيع بحسب ارتكاب أحد الأمرين من القول بخروج البيع عن العام المذكور وتخصيصه بغيره أو تقييد الحكم الثابت للبيع بغير الصورة المفروضة وأنت خبير بأنه لا دوران في المقام بين التقييد والتخصيص فإنا إن قلنا بعموم الحكم لكل الأفراد في كل الأحوال فلا تأمل إذن في كون القدر الثابت إخراجه هو خصوص الحالة المذكورة وهو أيضا تخصيص العام وإن قلنا بأن عمومه إنما يثبت بالنسبة إلى الأفراد دون الأحوال فلا يوجب إذن القول بالتخصيص إذ الدليل إنما دل على عدم ثبوت الحكم بالنسبة إلى الحال المفروض فثبت اللزوم في سائر أحواله من جهة إطلاق دلالة العام على ثبوت اللازم وبالجملة أقصى ما يقتضي الدليل المذكور إخراج البيع بالنسبة إلى خصوص الحالة المفروضة ليس إلا فمن أين يجيء الدوران بين التخصيص والإضمار والتقييد فما في كلام بعض الأفاضل من عد ذلك من المسألة كما ترى سادسها الدوران بين التخصيص والإضمار والظاهر ترجيح التخصيص لرجحانه على المجاز المساوي للإضمار وعلى القول برجحان المجاز على الإضمار فالأمر واضح وأما على القول برجحان الإضمار على المجاز فربما يشكل الحال في المقام إلا أنه لا يبعد البناء على ترجيح التخصيص أيضا نظرا إلى غلبته وشيوعه في الاستعمالات سابعها الدوران بين التخصيص والنسخ فمن ظاهر المعظم ترجيح التخصيص مطلقا وهو الأظهر إذ هو المفهوم بحسب العرف سيما مع تأخر الخاص بل الظاهر الاتفاق عليه حينئذ ولغلبة التخصيص على النسخ ولما في النسخ من رفع الحكم الثابت ومن مخالفته ظاهر ما يقتضيه المنسوخ من بقاء الحكم بخلاف التخصيص إذ ليس فيه إلا مخالفة لظاهر العام كما مرت الإشارة إليه وأيضا قد عرفت تقديم المجاز على النسخ فيقدم عليه التخصيص الراجح على المجاز وعن جماعة منهم السيد والشيخ القول برجحان النسخ على التخصيص في الخاص المتقدم على العام لدعوى فهم العرف وأن التخصيص بيان فلا يتقدم على المبين وهما مدفوعان بما لا يخفى وسيجيء تفصيل القول فيه إن شاء الله تعالى في مباحث العموم والخصوص عند تعرض المصنف رحمه الله ثم إن ما ذكرناه من ترجيح التخصيص على النسخ إنما هو بملاحظة كل منهما في ذاته حسبما مر وأما بملاحظة المخصوصات اللاحقة فقد تقدم النسخ عليه كما إذا كان التخصيص بعيدا وكان البناء على النسخ أقرب منه كما إذا لزم مع البناء على التخصيص إخراج معظم أفراد العام لو كان في المقام ما ينافي ذلك وهو كلام آخر واعلم أنه لو كان في المقام ما يوجب تكافؤ احتمال التخصيص والنسخ فالواجب التوقف حينئذ في الحكم أحد الأمرين إلا أنه لا فرق بين الوجهين مع تأخر الخاص بالنسبة إلى ما بعد وروده للزوم أخذ الخاص حينئذ والعمل بمقتضى العام فيما عداه من أفراده وإنما الكلام حينئذ في حال الزمان السابق مما يحتمل وقوع النسخ بالنسبة إليه ولا يتفرع عليه ثمرة مهمة مضافا إلى ما عرفت من كون احتمال النسخ حينئذ في كمال الوهن فاحتمال تكافئهما بعيد جدا وأما إذا تقدم الخاص وتأخر العام فلا إشكال إذن بالنسبة إلى سائر أفراد العام إذ لا معارض بالنسبة إليها وأما بالنسبة إلى مورد الخاص فهل يحكم بعد تكافئهما وانتفاء المرجحات بمقتضى الأصول الفقهية من التخيير أو الطرح أو الرجوع إلى البراءة أو الاحتياط إذ لا بد من الأخذ بالخاص وجهان من أنهما بعد تكافئهما لا ينهضان حجة على المطلوب فلا بد من البناء على الوجه المذكور من أن الحكم بمدلول الخاص قد ثبت أولا قطعا وإنما الكلام في رفعه وهو مشكوك بحسب الفرض فيستصحب إلى أن يعلم الرافع وحيث أن حجية الاستصحاب مبنية على التعبد فلا مانع من الأخذ به مع انتفاء الظن وكان هذا هو الأظهر ثامنها الدوران بين التقييد والإضمار تاسعها الدوران بينه وبين النسخ والحال فيها كالحال في دوران الأمر بين التخصيص وكل منهما بل الظاهر أن الحكم بالتقديم فيه أوضح من التخصيص لانتفاء التجوز فيه في الغالب ويجيء في الأول منهما نظير ما مر من احتمال التفصيل عاشرها الدوران بين الإضمار والنسخ وقد نص في المنية على ترجيح الإضمار ولم أعرف من حكم فيه بتقديم النسخ أو بنى على الوقف ويدل عليه ظاهر فهم العرف وبعد النسخ وشيوع الإضمار ومخالفة النسخ للأصل والظاهر كما مرت الإشارة إليه ولو تكافأ الاحتمالان بملاحظة خصوصية المقام فإن كان هناك قدر جامع أخذ به ولا بد في غيره من التوقف والرجوع إلى القواعد والأصول الفقهيّة ثم إنك قد عرفت أن ما ذكرناه من ترجيح بعض الوجوه المذكورة على آخر إنما هو بالنسبة إلى معرفة المراد من اللفظ وتعيين ما هو المستفاد عنه في متفاهم أهل اللسان بعد معرفة نفس الموضوع وأما استعلام معنى الموضوع له بملاحظة أنك كما إذا كان ترجيح التخصيص باعثا على الحكم بثبوت الوضع للعموم فلا يحصل بمثل ذلك فإن الاستناد إليها في ذلك يشبه الاعتماد على التخريجات العقلية في إثبات الأمور التوقيفية ويحصل الظن بالوضع من جهتها في كمال البعد والفرق بين المقامين ظاهر كما لا يخفى على المتأمل هذا ملخص القول في مسائل الدوران وقد عرفت أن ما ذكرناه من ترجيح بعض هذه الوجوه على البعض إنما هو بملاحظة كل منهما في نفسه مع قطع النظر عن الأصول الطارية بحسب المقامات الخاصة فلا بد إذن في الحكم بالترجيح في خصوص المقامات من الرجوع إلى الشواهد القائمة في خصوص ذلك المقام ولا يغرنك ما ذكرناه من وجوه الترجيح في الحكم مع الغفلة من ملاحظة سائر المرجحات الحاصلة في المقامات الخاصة كيف وليس الأمر في المقام مبنيا على التعبد وإنما المناط فيه تحصيل الظن وحصول الفهم بحسب المقام في المخاطبات فإن حصل ذلك من ملاحظة ما ذكرنا من ضم ما في خصوص المقام إليه فلا كلام وإلا فلا وجه للحكم بأحد الوجهين وترجيح أحد الجانبين من غير ظن به فالعمدة في فهم الكلام عرض العبارة الواردة على العرف بملاحظة المفهوم منها عند أهل اللسان فيؤخذ به وإن كان فيه مخالفة لما قررنا في التراجيح من وجوه شتى فلا يمكن دفع فهم العرف في خصوص المقام بمثل ما مر من الوجوه نعم إن لم يكن في خصوص المقام ما يقضي بالحكم بأحد الوجوه فالمرجع ما قررنا والظاهر جريان فهم العرف على ذلك كما مرت الإشارة إليه هذا ولو دار الأمر بين المجازين والمجاز الواحد والتخصيصين والتخصيص الواحد رجح الواحد على المتعدد وهكذا الحال في غيرها من سائر الوجوه إلا أن يكون في المقام ما يرجح جانب المتعدد ولو دار الأمر بين المجاز الواحد والتخصيص لم أر من حكم بترجيح أحد الوجهين والظاهر الرجوع إلى فهم العرف في خصوص المقام ولو دار الأمر بين المجازين والإضمار الواحد أو الإضمارين والمجاز الواحد والتخصيص الواحد رجح الواحد على المتعدد بناء على مساواة المجاز والإضمار ويعرف بذلك الخلاف في التركيبات الثلاثية والرباعية وما فوقها الحاصلة من نوع واحد أو ملفقة من أنواع متعددة مع اتفاق العدد من الجانبين واختلافه والمعول عليه في جميع ذلك ما عرفت من مراعاة الظن بالمراد على حسب متفاهم العرف ولنختم الكلام في المقام بذكر مسائل متفرقة من الدوران