الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
53
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ذلك المعنى وعدمه على قولين أحدهما دلالته على ذلك وحكي القول به عن جماعة منهم الغزالي والسيّد العميدي والعلامة في ط والتهذيب وثانيهما عدمهما ذهب إليه جماعة من العامة والخاصّة منهما الآمدي في الأحكام والحاجبي والعضدي وشيخنا البهائي ره وهو ظاهر العلاّمة رحمه الله في النهاية حيث ذكر الإيراد على دلالته على الحقيقة مقتصرا عليه واختاره الشريف الأستاذ قدس سرّه حجة الأول أنّه مع تحقق الوضع للمعنى لا ريب في جواز إطلاق اللفظ عليه بحسب الموارد والمقامات وكذا على كل من مصاديقه نظرا إلى تحقق الطبيعة فيه وحصولها في ضمنه وأما مع عدم حصول الوضع فجواز الاستعمال فيه يتبع وجوه العلاقة المصحّحة وقد تقرر أنّه يعتبر في وجود العلاقة المجوزة للتجوز عدم إباء العرف عن استعمال اللفظ وعدم استهجانه في المخاطبات وذلك أمر يختلف بحسب اختلاف المقامات وليس له قاعدة مطردة في الاستعمالات ولذا ترى أنه يصح استعمال القرية في أهلها في قولك اسأل القرية ولا يصح في قولك جلست القرية أو باعث القرية أو أجرت القرية ونحوها مع وجود تلك العلاقة بخصوصها وكذلك يقال أعتق رقبة ولا يقال مات رقبة أو نام رقبة ويطلق اليد على الإنسان في نحو قوله على اليد ما أخذت حتى تؤديه ولا يقال في سائر المقامات إلى غير ذلك مما يظهر موارد استعمال المجازات فيختلف الحال في جواز الاستعمال بملاحظة الخصوصيات الحاصلة في موارد الاستعمالات فالاطراد من اللّوازم المساوية للحقيقة وعدمه من اللوازم المساوية للمجاز فالأول يدل على الحقيقة والثاني على المجاز من باب دلالة اللازم المساوي على ملزومه ويرد عليه أن المجاز وإن لم يستلزم الاطراد في الاستعمالات إلا أنه قد يطرد سيما إذا كانت العلاقة في كمال الوضوح وكان الارتباط بين المعنى المجازي والحقيقي في غاية الكمال كما في استعمال الأسد في الشّجاع فإنه يصح استعماله فيه مطردا على نحو استعمال اللفظ الموضوع لذلك من غير فرق سوى ذكر القرينة المعتبرة في المجاز وحينئذ فيكون الاطراد لازما أعم بالنسبة إلى الحقيقة فلا يدل عليها لوضوح عدم دلالة اللازم الأعم على خصوص ملزومه وهذا هو حجّة القول الآخر المانع من دلالته على الحقيقة فيقال إن الاطراد كما يوجد في الحقيقة يوجد في المجاز فلا يصح جعله علامة الحقيقة لما تقرر من اعتبار الاطراد في العلامة وقد يجاب عنه بأن الاطراد في المجازات إنما يكون في آحاد منها على سبيل الندرة فلا ينافي حصول الظن المطلوب في باب الأوضاع والاطراد المعتبر في العلاقة إنما يعتبر في أمثال المقام بالنظر إلى الغالب نظرا إلى إفادة الظن المكتفي به في مباحث الألفاظ وقد يمنع الغلبة المدّعاة فإن معظم المجازات المشتملة على المشابهة الظّاهرة يطرد استعمالها في المحاورات وإنما ينتفي الاطراد غالبا في سائر أنواع المجاز مما تكون العلامة فيها غير المشابهة وحينئذ فلا يبقى ظن بكون المعنى الذي فرض اطراده في الاستعمال من المعاني الحقيقية نعم لو علمنا انتفاء المشابهة في المقام كما إذا علمنا معنى حقيقيا للفظ ووجدنا استعماله في غيره مطردا مع انتفاء المشابهة بينه وبين معناه الحقيقي وأمكن ملاحظة غيرها من العلائق بينهما فإنه حينئذ قد يصح الرجوع إلى الاطراد في إثبات وضعه له نظرا إلى ما قلناه وبالجملة إذا دار الأمر بين أن يكون حقيقة في ذلك المعنى أو مجازا مرسلا أمكن إثبات الوضع بالاطراد نظرا إلى أن الغالب في المجاز المرسل وعدمه وما ذا أراد الأمر بينهما وبين الاستعارة أو بين الثلاثة لم يصح ذلك حسبما عرفت واعلم أنه يمكن أن يؤخذ الاطراد على وجه آخر فيراد به اطّراد استعمال اللفظ فيه وفي جميع المقامات وسائر الأحوال مع انضمام القرينة وبدونه ودورانه بينهم كذلك في الاستعمالات من غير فرق في استعماله فيه بحسب تلك المقامات وحينئذ يتم دلالته على الحقيقة ويندفع عنه الإيراد المذكور إذ لا اطراد في شيء من المجازات على الوجه المفروض إذ مجرّد وجود العلاقة غير كاف في التجوز ما لم يوجد هناك قرينة صارفة فإن قلت إنه لا شكّ في جواز الاستعمال المجازات مع انتفاء القرائن في حال الاستعمال بناء على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو المعروف والمفروض في المقام وجود القرينة في الجملة وإلا لم يعلم استعماله فيه قبل العلم بوضعه له غاية الأمر أن تكون القرينة منفصلة قلت إن ذلك مما يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأحوال فقد يكون المقام مقام البيان والإفهام فيكون في تأخير القرينة تفويت المقصود وحينئذ فلا ريب في المنع من تأخير البيان عن وقت الخطاب وليس مقصود القائلين لجواز تأخيره من ذلك جوازها كليا كما نصوا عليه وسيأتي في محله إن شاء الله فإن قلت إن استعماله حينئذ في ذلك من دون اقتران القرينة في المقام المفروض كاف في الدلالة على الحقيقة فلا حاجة إلى ملاحظة الاطراد وذلك بنفسه أمارة على الحقيقة كما مرت الإشارة إليه قلت قد يعرف المقام المفروض بالخصوص ويرى استعماله فيه على النحو المذكور فيمكن استنباط ثبوت الوضع له من ذلك من دون حاجة إلى ملاحظة غيره إذا كان المستعمل فمن يعتد بشأنه وقد لا يعلم خصوص المقام ولا خصوص المستعمل فيعرف اطراد استعماله في المقامات على النحو المذكور وروده في المقام المفروض في الجملة من غير استنكار له في العرف فلا مانع من اعتباره أمارة مستقلة بملاحظة ذلك وإن اتحد الوجه في استفادته منه في المقامين والظاهر أنه بهذا المعنى مما لا ينبغي الخلاف فيه لوضوح كونه من خواص الحقيقة سواء قلنا بكون القرينة مصححا لاستعمال المجاز أو قلنا بأن المصحّح له وجود العلاقة والمقصود منها مجرد الإفهام فتأمل في هذا المقام وأما دلالة عدم الاطراد بالوجه المتقدم على المجاز فقد أثبتها كثير من الأصوليين منهم الآمدي والحاجبي والعضدي وشيخنا البهائي رحمه الله ونفاها العلامة رحمه الله في النهاية نظرا إلى عدم اطراد بعض الحقائق كما سيجيء الإشارة إليه واختاره بعض الأفاضل من المعاصرين إلا أنه ذهب إلى حصول الاطراد إذ في المجازات على نحو الحقائق ولم يفسّر العلامة المذكورة على وجهها وسنورد بعض ما ذكره في بيانها وظاهر بعض الأعلام التوقف فيه وذهب بعض آخر إلى كونه دالا على نفي الوضع النّوعي خاصة فلا يفيد