الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
54
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
نفي الأوضاع الشخصية سواء كان الوضع فيها عاما أو خاصا والموضوع له عامّا أو خاصا والأظهر هو الأول إذ لو ثبت وضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى لما صح التخلّف ضرورة في قضاء الوضع بصحة استعمال اللفظ فيه في جميع المقامات من غير اختصاص ببعض الصّور دون بعض كما هو الحال في سائر الألفاظ الدائرة في الاستعمال وقد يورد عليه أن من الحقائق أيضا ما لا يطرد استعماله في الموارد ولا يصحّ إطلاقه على كل من مصاديقه مع وجود المعنى فيه كما في إطلاق الفاضل عليه تعالى وإطلاق السخي عليه وإطلاق الأبلق على غير الفرس مع حصول المعنى فيه وإطلاق القارورة على غير الزجّاج وإطلاق الدابة على غير ذات القوائم إلى غير ذلك ويدفعه أن المنع من الإطلاق في الأولين شرعي فلا مانع من الإطلاق بحسب اللّغة والاطراد وإنّما يلحظ بالنسبة إليها على أنه قد يمنع المنع منه بحسب الشّرع أيضا إذ قد ورد في بعض الأدعية إطلاق الفاضل عليه تعالى وورد فيه أيضا يا ذا الجود والسخاء مخاطبا إياه تعالى مضافا إلى ما قد يقال بعد تسليم عدم الإطلاق عليه تعالى في اللّغة أيضا من أن الفاضل هو العالم الذي من شأنه الجهل والسخي هو الجواد الذي من شأنه البخل فعدم إطلاقهما على اللّه تعالى من جهة انتفاء المعنى بالنسبة إليه تعالى والمنع من إطلاق الأبلق على غير الفرس لاختصاص مفهومه بها فإنه الفرس ذات اللونين أو نقول إنه خصص بها في العرف بعد إن كان للأعم فهو منقول عرفي كما هو الحال في الأخيرين إذ لا اختصاص لها لغة بما ذكر واطراد الاستعمال حاصل فيها بالنسبة إليها وعدم اطرادهما إنما هو بحسب العرف فهو فيها دليل على المجازيّة في المعنى الأصح بحسب الاستعمالات العرفية لا أنه يافض لدلالته على المجازية وربّما يورد عليه أيضا بلزوم الدور فإن العلم بعدم الاطراد متوقف على العلم بالمجازيّة إذ مع احتمال الوضع له لا يمكن العلم بعدم الاطراد ضرورة لزوم الاطراد في الثاني حسبما مر فلو كان العلم بالمجازية متوقفا على العلم بعدم الاطراد كما هو المدعى لزوم الدور ويدفعه أن العلم بعدم الاطراد إنما يحصل من ملاحظة موارد الاستعمالات فيستنبط منه انتفاء الوضع لا أنه يحصل العلم بعدم الاطراد من العلم بانتفاء الوضع لما عرفت من إمكان الاطراد في المجاز ولا بعد العلم به إذ لا توقف له عليه بعد ملاحظة العرف بل قد لا يحصل العلم به بعد العلم بعدم الاطراد أيضا مع الغض عن ملاحظة ما ذكر في بيان دلالته عليه والوجه في المنع من عدم الاطراد في المجاز حسبما ذكره الفاضل المذكور أنه إن أريد بعدم اطراد المجاز أنه يقتصر فيه على موارد الرخصة في نوع العلاقة ولو كان في صنف من أصنافه فلا يطّرد استعماله مع حصول نوع العلاقة إذا كان في غير مورد الرخصة فهو حقّ لكن لا ريب أن المجاز حينئذ منحصر فيما حصل الرخصة فيه وهو مطرد في مورد الرّخصة وإن أريد به أن المجاز غير مطرد بعد تحقق الرخصة فيه بالنسبة إلى ما تعلق الرخصة به فمن البين خلافه فلأن الوضع في المجاز كأوضاع الحقائق يقضي بصحّة الاستعمال مطردا على حسب الوضع وأنت خبير بأنّه ليس المراد به شيئا من الأمرين المذكورين بل المقصود من عدم اطراد المجاز عدم اطراد الاستعمال في المعنى الذي فرض استعماله فيه على سبيل المجاز في بعض المقامات بالنسبة إلى غير ذلك من موارد الاستعمال وتوضيح المقام حسب ما مرت الإشارة إليه أن الأمر في العلائق دائر مدار قبول العرف وعدم استهجان الاستعمال في المخاطبات وذلك ما يختلف بحسب المقامات اختلافا بينا بالنسبة إلى اللفظ الواحد والمعنى الواحد فيصح استعماله فيه في مقام دون أخرى ألا ترى أنه يصح استعمال القرية في أهلها عند تعلق السّؤال ولا يصح ذلك عند تعلق الجلوس أو البيع والشراء والضّحك ونحوها مع وجود تلك العلاقة بعينها وكذا الحال في استعمال النّهر في مائه فإنه يصح عند تعلق الجريان أو الوقوف أو نحوهما به تقول جرى النهر أو وقف النهر ولا يصحّ أن تقول جمعت النهر أو أخرجت النهر إذا جمعت مائه وأخرجت الماء فيه ونحوه استعمال الرقبة في الإنسان في مقام تعلق الرّق أو العتوبة واستعمال اليد فيه في مقام الأخذ والإعطاء دون سائر المقامات إلى غير ذلك فيتعلم من عدم الاطراد على الوجه المذكور انتفاء الوضع في معنى المفروض وكون الاستعمال من جهة العلاقة إذ لو تحقق الوضع له لم يتخلف عند صحة الاستعمال وأما مع انتفائه فيصحّ التخلف لاختلاف الحال في العلاقة بحسب المقامات والمتعلقات في شدة الارتباط وضعفه واستحسان العرف لاستعماله فيه واستقباحه فما ذكر من أنه مع تحقق العلاقة والإذن لا يمكن التخلف إن أراد به أنّه إذا تحققت العلاقة مع الخصوصية الملحوظة في الإذن لم يكن أن يتخلف عنه صحة الاستعمال ففيه ما فيه من المناقشة إذ لا مانع إذن من قضاء الإذن العام بجواز الاستعمال ووقوع منع الخاص من استعماله في خصوص بعض الصّور فيقدم الخاص على العام فإذن العام ليس إلا مقتضيا للصحّة ووجود المقتضي إذا قارن وجود المانع لم يعمل علمه أنّه غير مفيد في المقام إذ عدم إمكان التخلف لا يجدي فيما هو بصدده لاختلاف الخصوصيّة الملحوظة في الوضع بحسب اختلاف المقامات والمتعلقات فيصح الاستعمال في بعضها دون آخر فلا يلزمه الاطراد على ما هو المقصود في المقام وأن اطراد على حسب الترخيص الحاصل من الواضع فليس المراد بعدم اطراد المجاز كونه مجازا مع عدم صحة الاستعمال بل المدعى أن المعنى الذي لم يوضع له اللّفظ واستعمل فيه على سبيل المجاز قد لا يكون جواز الاستعمال فيه مطردا بأن لا يكون العلاقة المصححة للاستعمال فيه في مقام مصححه له في سائر المقامات لما عرفت من اختلاف الحال فيه بملاحظة موارد الاستعمال ولذا يصحّ استعمال اللّفظ في معنى مخصوص في بعض المقامات دون غيره كما عرفت ومع الغض عن ذلك كله نقول إنه قد يكون معنى المستعمل فيه مشتملا على صنف العلاقة المعتبرة في المقام دون آخر فيجيء فيه عدم الاطراد من الجهة المذكورة فلا منافاة بين القول باطراد العلائق في مواردها وعدم حصول الاطراد في جواز الاستعمال بالنسبة إلى خصوص المعاني نظرا إلى اختلاف أحوالها في الاستعمال وعدمه فحينئذ لا مانع من القول بعدم حصول الاطراد في المجازات نظرا إلى ذلك فيعترف به حال المعنى كما هو المقصود في المقام وهو ظاهر هذا والوجه في الوقف وعدم حصول الاطراد في بعض الحقائق لمانع خارجي فيحتمل ذلك في موارد استعمال اللفظ ومع قيام هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال به على انتفائه الوضع فدعوى النقلة بحيث يفيد المظنة محل إشكال وأنت خبير بأن انتفاء الاطراد