الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
50
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
حيث كونه المعنى الشّامل له لذلك فيستفهم به أولا حال المصداق من حيث كونه من مصاديقه الحقيقية وحال الموضوع له في الجملة من جهة شموله لذلك وعدمه بل يمكن تعيينه بذلك أيضا إذا دار بين أمرين أو أمور يتميز أحدها بالشمول للمعنى المذكور وعدمه كما في الصعيد إذا قلنا بعدم صحة سلبه عما عد التراب الخالص من سائر وجه الأرض فإنه يكون شاهدا على كونه موضوعا لمطلق وجه الأرض وحينئذ يكون دليلا على تعيين نفس الموضوع له أيضا وعلى الثالث فالمعنى الموضوع له متعين معلوم ولا يراد بالعلامة المذكورة استعلام الموضوع له بل المقصود منها استكشاف حال المصداق في الاندراج تحته فهي إذن علامة لمعرفة المصاديق الحقيقية ومعيّنة بينه وبين المصاديق المجازيّة وذلك قريب في الثمرة من معرفة المعنى الحقيقي فيكون إطلاقه على الأول حقيقة في الغالب وعلى الثاني مجاز ولذا العلامة المذكورة من أمارات الحقيقة مطلقا إذا عرفت ذلك فقد ظهر لك الوجه في اندفاع الإيراد المذكور أما بالنسبة إلى الأخيرين فظاهر وأمّا بالنسبة إلى الأول فعلى الوجه الأول المأخوذ فيه في جانب المحمول مفهوم المسمّى به وما في معناه بالنسبة فلا خفاء أيضا وعلى الوجه الثاني فلا حاجة هناك إلى تصحيح الحمل إذ المأخوذ علامة إنما هو عدم صحة السّلب ومن البين حصوله لعدم صحة سلب الشيء على نفسه ولا يستلزم ذلك صحة الحمل ليلزم حمل الشيء على نفسه لإمكان انتفاء الأمرين معا على أنه لو أريد الحكم بصحة الحمل أيضا فيمكن مراعاته باعتبار الحمل الذاتي دون المتعارف كما أشرنا إليه إلا أنه غير مأخوذ في العلامة المذكورة وأما بالنسبة إلى صحة السّلب المأخوذ علامة للمجاز فالأمر أظهر إذ المفروض هناك تغاير المفهومين فلا إشكال في صحة السّلب أصلا هذا وقد ظهر بما قررنا أن تخصيص الحمل في المقام بالحمل الذاتي كما يوجد في كلام بعضهم في الجواب عن الإيراد الأخير ليس على ما ينبغي كيف ومعظم موارده إعمال العلامتين المذكورتين مما يستعلم به الحال في المصاديق ولا معنى لأخذ الحمل هناك ذاتيا ومن الغريب نصبه قبل ذلك بإعمال العلامة المذكورة في المقام نعرف حال المصداق وأما على الثاني فبأن ما يتوقف عليه الحكم بعدم صحة السّلب هو ملاحظة المعنى الحقيقي بنفسه لا ملاحظة بعنوان كونه معنى حقيقيا والمعلوم بالعلامة المفروضة هو الصفة المذكورة غاية الأمر أن يلاحظ مع نفس المعنى ما يتعين به كونه معنى حقيقيا في الواقع حتى لا يحتمل بحسب الواقع أن يكون المحكوم بعدم صحة سلبه غير ذلك وذلك كان يعتبر فيما يحكم بعدم صحة سلبه أن يكون هو المعنى المفهوم منه حال الإطلاق حسبما أشرنا إليه إذ ليس ذلك معناه الموضوع له بحسب الواقع وإن لم يلاحظ بعنوان أنه الموضوع له فلا دور بالتقرير المذكور أيضا المعنى الحقيقي الملحوظ في جانب المحمول إنما هو الأمر الإجمالي فيعلم من عدم صحة سلبه عن ذلك المعنى كونه عين ذلك فتعين ذلك المجمل حاصل بإعمال العلامة المذكورة وأما العلم بالموضوع له على جهة الإجمال حسبما في اعتبار المحمول فهو حاصل قبل إعمال العلامة المذكورة فيكون اللازم توقف معرفته التفصيلي على المعرفة به على نحو الإجمال ولا ضير فيه هذا كله بالنسبة إلى الوجهين الأوّلين من الوجوه الثّلاثة المذكورة عد الصّورة الأولى من الاحتمالين المذكورين في الوجه الأوّل فيتعين فيه الجواب الرّجوع إلى العالم وأما بالنّسبة إلى الوجه الثالث فيندفع بما تقدّم من الوجهين في جواب الدّور الوارد على المتبادر لاتحاد منشإ الإيراد في المقامين وكذا الحال فيما قررناه أخيرا في بيان الدور ويجري فيه أيضا ما حكيناه هناك عن بعض الأفاضل من الجواب بمنع كون فهم المعنى متفرّعا على العلم بالوضع مع ما يرد عليه مما مر الكلام فيه وهذا كله ظاهر بعد التأمل ويمكن الجواب هنا أيضا بوجه ثالث وهو أنه قد يتحقق العلم بالشّيء على تقدير تصويره بعنوان خاص مع عدم العلم به إذا تصور بعنوان آخر وإن كانا متلازمين بحسب الواقع فحينئذ تقول إنّه قد يحصل العلم بكون المعنى مما لا يصح سلب مدلول اللفظ منه ولا يحصل العلم بكونه معنى حقيقيا أو مندرجا فيه من دون ملاحظة عدم صحة السّلب المفروض وإن كان الأوّل متفرّعا على الثاني تابعا له لإمكان العلم بالفرع مع الجهل بأصله المبتنى عليه بحسب الواقع وحينئذ فالقول بكون الحكم حينئذ الحكم بعدم صحّة السّلب مبتنيا على العلم بكونه حقيقة فيه ممنوع لإمكان فرض الجهل به إذا لاحظه ابتداء مع العلم بالآخر وإن تحقق العلم به بعد ملاحظة علمه بالآخر فإن ذلك هو قضية كونه أمارة عليه وحينئذ فينظم قياس بهذه الصّورة هذا مما لا يصح سلب مدلول اللفظ عنه على أحد الوجهين المذكورين وكلما لا يصحّ سلبه عنه كذلك فهو معنى حقيقي له على إحداهما ومن مصاديق معناه الحقيقي على الآخر فينتج ما هو المدّعى وبمثله نقول بالنّسبة إلى صحة السّلب أيضا والقول بأن الحكم بعدم صحة السلب مدلول اللفظ موقوف على فهمه إنما يتم لو قلنا بتوقف ذلك على تصوره على سبيل التفصيل وليس كذلك للاكتفاء فيه بالإجمال هذا إذا أريد من ملاحظة العلامة المذكورة معرفة نفس الموضوع له في الجملة وأما إذا أريد من ملاحظة العلامة المذكورة معرفة نفس الموضوع له في الجملة وأما إذا أريد معرفة المصداق فالكلام المذكور ساقط من أصله وما ذكرنا يعرف عدم جريان هذا الجواب في المتبادر حيث إن الملحوظ هناك فهم المعنى على سبيل التفصيل وانسباقه إلى الذهن كذلك المتفرع على العلم بوضعه له بخلاف المفروض في المقام هذا وقد أجيب أيضا من الدّور المذكور بوجوه منها أن المراد بصحّة السّلب هو صحة سلب المعنى المذكور الملحوظ في الإثبات في نفس الأمر لا مطلق نفس المعنى حتى يلزم فساد الحكم بصحة السّلب في بعض صوره وعدم دلالته على المجاز في بعض آخر ولا خصوص المعنى الحقيقي ليلزم الدور مثلا إنا نعلم أن في إطلاق الحمار على البليد قد لوحظ معنى الحيوان النّاهق إذا إطلاقه عليه إنما هو بهذا الوجه مع أنه يصلح سلب هذا المعنى بعينه عنه في نفس الأمر فيقال البليد ليس بحمار أي ليس بحيوان ناهق في نفس الأمر فيكون مجازا وإذا تبين المراد في صحة السّلب فقس عليه الحال في عدم صحة السّلب ويشكل ذلك بأن المراد بالمعنى الملحوظ في الإثبات في نفس الأمر أما الملحوظ في الاستعمال يعنى خصوص المستعمل اللفظ فيه فهو مما لا يصح سلبه في المجاز لوضوح أن الحمار في إطلاقه على البليد مستعمل في الحيوان القليل الإدراك لا الحيوان النّاهق ولذا كان مجازا لغويا ومن البين عدم صحة سلبه