الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
51
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عن البليد فلا يتم ما ذكر من أن إطلاقه عن البليد ليس إلا من جهته كونه حيوانا ناهقا إلا على قول من يجعل الاستعارة مبنيا على المجاز العقلي باستعمال اللفظ في معناه الحقيقي وادعى كون ما أطلق عليه من أفراده على أنه لا يجري في غير الاستعارة من سائر أنواع المجاز كإطلاق النهر على الماء وإطلاق القرية على الأهل ونحوهما وأما المعنى الملحوظ في استعمال اللفظ في المعنى المفروض بارتباطه به وعلاقة له فالتجوز في الاستعمال إذن ظاهر قبل ملاحظة العلامة المذكورة إذ مع فرض كون الاستعمال فيه من جهة ملاحظة علاقته لغيره لا مجال للشّك في كونه مجازا حتى يفتقر إلى العلامة المذكورة ضرورة أنّه لا يكون ذلك في غير المجاز ولو قطع النظر عن ذلك وفرض عدم استفادة الحال عن ذلك فصحت سلب ذلك المعنى عنه لا يفيد كونه مجازا فيه إلا بعد العلم بكونه حقيقة في ذلك المعنى فيكون صحة سلبه عنه إذن موقوفا على العلم بكونه غير الموضوع له فالدّور على حاله ونحوه الكلام في عدم صحة السّلب إلا أنه يجري نحو الكلام الأخير في الشق الأوّل ولا حاجة فيه إلى الباقي وأن المراد بكون صحة السّلب علامة للمجاز أن صحة سلب كل واحد من المعاني الحقيقية عن المبحوث عنه علامة المجاز بالنسبة إلى ذلك المعنى مسلوب فإن كان المسلوب الحقيقي واحدا في نفس الأمر كان ذلك المبحوث عنه مجازا مطلقا وإن تعدد كان مجازا بالنسبة إلى ما علم سلبه عنه لا مطلقا ومثله الكلام في عدم السّلب فإن المراد عدم صحة السّلب المعنى الحقيقي في الجملة فيقال أنّه علامة لكون ما لا يصح سلب المعنى الحقيقي عنه معنى حقيقيا بالنسبة إلى ذلك المعنى الذي لا يجوز سلبه عنه وإن احتمل أن يكون لذلك اللفظ معنى آخر يصح سلبه عن المبحوث عنه فيكون مجازا بالنّسبة إليه فلا يتوقف معرفة كون المبحوث عنه حقيقة على العلم بكونه حقيقة حتى يلزم الدور والحاصل أن معرفة كونه حقيقة في هذا المعنى الخاص موقوف على معرفة الحقيقة في الجملة وذلك لا يستلزم الدّور وأنت خبير بما فيه إذ لا يفيد شيئا في دفع الدّور فإنه من البين أن صحة سلب المعنى الحقيقي المفروض عن المبحوث عنه يتوقف على العلم بكونه مغايرا له مباينا إياه وهو معنى كونه مجازا بالنسبة إليه إذ ليس المجاز أن اللفظ المستعمل في غير ما وضع له فالعلم بالمغايرة أعني كونه مجازا بالنظر إليه وإن كان متوقفا على صحة السّلب كما هو المدعى لزم الدّور وكذا الحال في عدم صحة السّلب فإنه وإن كان المقصود من ملاحظة العلامة المذكورة معرفة كون المبحوث عنه موضوعا له اللفظ فإن كان المعنى المسلوب عنه معينا معلوما كما هو الظاهر من الكلام المذكور فكونه حقيقة مباينا إياه وهو معنى كونه مجازا بالنسبة إليه إذ ليس المجاز إلا اللفظ المستعمل في غير ما وضع له فالعلم بالمغايرة فيه لا بد أن يكون معلوما قبل إعمال العلامة المذكورة كما هو المفروض فلو توقف عليه كان دورا وإن أخذ المعنى الحقيقي على سبيل الإجمال والإيهام وأريد بالعلامة المذكورة تعيينه ومعرفته بخصوصه فمعلوم أيضا أن معرفة كون ذلك المجمل هذا المعين موقوف على الحكم بعدم صحة السلب أو الحكم به موقوف على الحكم بعد صحة السّلب والحكم به موقوف على العلم باتحادهما وهو دور إن أريد بهما على العلم بكون المبحوث عنه مصداقا حقيقيا لمعناه الحقيقي لا موضوعا له اللفظ بخصوصه فهو يرجع إلى جوابه الآتي ولا يكون جوابا آخر وهو أيضا لا يدفع الدور كما سيجيء الإشارة إليه ومنها أن المراد بصحّة السّلب المعنى وعدمها هو صحة سلب المعنى الحقيقي وعدمها عما احتمل فرديته له بأن يعلم اللفظ معنى حقيقي ذو أفراد يشك في دخول معنى المبحوث فيها وعدمه فيكون الشكّ في كونه ذلك مصداقا لما علم كونه موضوعا له لا في كونه موضوعا له بخصوصه فيخبر ذلك بصحّة السّلب وعدمها وهذا أيضا لا يستلزم دور لاختلاف الطرفين وأنت خبير بأن ذلك لا يفيد في دفع الدور شيئا إذ تقول حينئذ إن معرفة كونه مصداقا لذلك المعنى يتوقف على عدم صحة سلبه عنه وعدم صحة سلبه عنه يتوقف على العلم بكونه مصداقا له وكذا الحال في صحة السّلب فيجيء هناك اختلاف في تقرير الدّور نظرا إلى تغيير ظاهر المدعى حيث إن ظاهر جعلهما علامة للحقيقة والمجاز وكونهما علامتين لمعرفة نفس الموضوع له وغيره فصرف ذلك في الجواب المذكور إلى معرفة مصداق كل منهما الدور بحاله غير مندفع أصلا ومنها أن صحة سلب بعض المعاني الحقيقية كافية في الدلالة على المجاز إذ لو كان حقيقة لزم الاشتراك المرجوع بالنسبة إلى المجاز وكان الوجه في اندفاع الدّور حينئذ أن معرفة كونه مجازا مطلقا متوقفة على صحة سلب بعض المعاني الحقيقيّة وصحة سلب بعض المعاني الحقيقية متوقفة على كونه مجازا بالنسبة إلى ذلك المعنى الحقيقي فاختلف طرفا الدّور ولا يخفى وهنه أمّا أولا فلأن العلم بكونه مجازا مطلقا يندرج فيه العلم بالمجازية بالنسبة إلى المعنى المفروض فالدور بالنظر إليه على حاله وأمّا ثانيا فلأن معرفة كونه مجازا مطلقا لا يتوقف على العلامة المذكورة بل عليها وعلى الأصل المذكور وإنما يعرف من العلامة المفروضة كونه مجازا فيه بملاحظة المعنى المفروض من الأصل المذكور عدم ثبوت الوضع له بخصوصه أو لمعنى الآخر لا يصحّ سلبه عنه فالدّور أيضا بحاله وأما ثالثا فبعدم جريانه في عدم صحة السّلب أو عدم صحة سلب بعض معاني الحقيقة عنه موقوف على العلم بكونه حقيقة فيه والمفروض توقف العلم بكونه حقيقة فيه على ذلك فالدّور فيه على حاله وأمّا رابعا فلأن المفروض في الجواب المذكور إثبات كونه مجازا فيه بذلك وبالأصل فلا يكون العلامة المفروضة بنفسها أمارة على المجاز وهو خلاف المدعى ومنها أن المراد أنا إذا علمنا المعنى الحقيقي للفظ ومعناه المجازي ولم يعلم ما أراد القائل منه فإنا نعلم بصحة سلب المعنى الحقيقي عن المورد كونه حقيقة أن المراد هو المعنى المجازي وقد نص المجيب المذكور بعدم جريان الجواب في عدم صحة السلب إذ لا يعرف من عدم صحة سلب المعنى الحقيقي عن المورد فيه ضرورة عدم صحة سلب الكلي عن فرده مع أن استعماله فيه مجاز وأورد عليه بوجوه أحدهما أن العلائم المذكورة إنما تلحظ في مقام الشك في الموضوع له والجهل بكون اللفظ حقيقة في المعنى المستعمل فيه أو مجازا وأما مع العلم بكون اللفظ حقيقة في معنى مجازا في آخر فلا حاجة إلى العلامة إذ مع إمكان حمله على الحقيقة يتعيّن الحمل عليهما نظرا إلى أصالة الحمل على الحقيقة وبدونه يتعين الحمل على المجاز ويكون امتناع حمله على الحقيقة قرينة على ذلك وليس ذلك من العلامة في شيء ثانيها أنّه لو صحّ ذلك لاقتضى أن يكون كل من صحة السّلب وعدمها علامة لكل من الحقيقة والمجاز فإن صحة سلب المعنى الحقيقي علامة للمجاز وصحّة سلب المعنى المجازي علامة للحقيقة وعدم صحة السلب بالعكس وهم لا يقولون به لجعلهم عدم صحّة السّلب أمارة