الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

486

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الامتثال من الظن وأما الكبرى فظاهرة والجواب عنه أما أولا فبأن العلم والظن مشتركان فيما ذكر إذا كان الظن منتهيا إلى اليقين كما هو المفروض في المقام لظهور كون المكلف في مقام العمل عالما بالتكليف قاطعا به نعم لو قيل بابتناء التكليف على الظن من حيث إنه ظن لربما أمكن التمسك في دفعه بما ذكر فظهر فساد ما قد يقال إنه مع كون المسألة ظنية لا كون على ترتب الثواب أو العقاب ليكون ذلك داعيا إلى الإقدام والإحجام نظرا إلى وضوح ترتب الثواب أو العقاب على مخالفة الأحكام الظاهرية لقيامها مقام الواقعية بل قد يقال بإناطة الثواب والعقاب مدار التكليف الظاهري سواء طابق الواقع أو لا وإن أمكن القول باختلاف الثواب والعقاب مع المطابقة وعدمها وذلك لا يستلزم التصويب كما لا يخفى وأما ثانيا فبالمنع من كلية الكبرى إذ ليس كل لطف واجبا عليه تعالى كيف وظهور الإمام عليه السلام من اللطف على الوجه المذكور قطعا ودفع أهل الفساد المانعين من تمكنه من اللطف كذلك فيكون واجبا عليه تعالى مع أن المعلوم خلافه فلا مانع من أن يكون البناء على الظن في أزمنة الغيبة وانقطاع اليد عن الرجوع إلى الأئمة عليهم السلام من قبيل ذلك بل يمكن أن يكون ذلك من فروعه حيث إن انسداد سبيل العلم إنما جاء من جهة غيبة الإمام عليه السلام وخفاء طرق الأحكام فيكون الأمران من قبيل واحد مضافا إلى أن كون التكليف بالعلم لطفا محل منع بل قد يقال بأن عدم إلزام المكلفين بتحصيل اليقين في خصوصيات التكاليف هو اللطف لما في إناطة التكليف بخصوص العلم بالأحكام من الحرج التام ولذا اكتفي الشارع في زمانه عن المكلفين الأخذ بعدة من الطرق الظنية مع انفتاح سبيل العلم حينئذ كما أشرنا إليه في محله ومنها أن الظن مداركه مختلفة غير جارية على وجوه منضبطة فلا يكون الأحكام المبتنية عليها جارية على قانون واحد بل يختلف جدا بحسب اختلاف الآراء ومثل ذلك لا يصلح أن يكون مدارا للتكليف سيما بالنسبة إلى عامة الأنام إلى قيام القيام ويوهنه أن ذلك لو تم فإنما يتم لو قلنا بكون المرجع هو مطلق الظن من أي طريق وأما إذا قلنا بكون المناط هو الأخذ بظنيات خاصة والتمسك بقواعد مخصوصة منضبطة كما هو المختار فلا مضافا إلى أن ذلك وجه استحساني لا يصلح حجة لتأسيس حكم شرعي وأي مانع من اختلاف التكاليف في ظاهر الشريعة على اختلاف الظنون وإن كان الحكم الواقعي أمرا واحدا ومنها أنه يتفرع على بناء التكاليف على الظنون وجوه من الفساد من إثارة الفتن وإقامة الحروب وسفك الدماء ونحوها فلا يقع التكليف به من الحكيم كيف وذلك من شبهات العامة في الاعتذار عما صدر من سلفهم من وجوه الفساد في الإسلام من إثارة الحروب وسفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الأموال وغيرها ويدفعه أن الأخذ بالطرق الظنية الشرعية على الوجه المعتبر في الشريعة لا يفضي إلى شيء من ذلك بل نقول إنها في الانضباط ليست دون الوجوه العلمية وجعل الاجتهاد فساد الشرعي عذرا لإقدام أولئك على الفساد لا يقضي بفساد الرجوع إلى الاجتهاد مع وضوح فساد دعواهم في ذلك الاستناد كيف وربما يعتذرون لهم بقطع كل منهم بشرعية ما يأتي به من الفساد مضافا إلى اتفاق الفريقين على جواز العمل بالظن في الجملة بالنظر إلى الموضوعات وإثارة الفتن وإقامة الحروب ونحوها إنما يتفرع في الغالب على ذلك دون نفس الأحكام الشرعية واعتذار العامة عن سلفهم إنما هو بالنظر بالنسبة إلى ذلك غالبا فلو تم ذلك لقضي بعدم جواز الرجوع إلى الظن في ذلك ولا قائل به ومنها أن الاجتهاد أمر خفي لابتنائه على الاستنباطات الخفية وعلى الملكة التي يقتدر بها على استنباط حكم المسألة وهي أيضا من الأمور الخفية النفسية فلا يمكن أن يكون مناط الأحكام الشرعية سيما بالنسبة إلى جميع الأمة ووهنه واضح إذ لا خفاء في شيء من ذلك عند المجتهد والعامي ليس وظيفته الرجوع إلى الأدلة فلا ربط لخفاء وجوه الاستنباط لذلك وعلمه بكونه من يقلده بالغا درجة الاجتهاد يحصل بالرجوع إلى أهل الخبرة أو بغيره مما يجيء الإشارة إليه فنفس الملكة وإن لم تكن ظاهرة إلا أن الطريق أمر ظاهر كما هو الحال في العدالة وغيرها من الملكات مضافا إلى جريان ذلك على طريقة الأخباريين أيضا إذ لا بد عند المحققين منهم في الرجوع إلى الأدلة الشرعية من الاقتدار على فهم الأخبار والجمع بينها والتمكن من رد الفروع إلى الأصول وذلك أيضا من الأمور النفسية الغير الظاهرة فلو كان ذلك مانعا لجرى في كل من الطريقين المسألة الثانية أنهم اختلفوا في وجوب تجديد النظر على المجتهد عند تجدد الواقعة التي اجتهد في حكمها وجواز بقائه على مقتضى اجتهاده الأول إلى أن ينساه أو يتغير رأيه عنه فيجوز له الإفتاء باجتهاده السابق في الوقائع المتأخرة من غير حاجة إلى اجتهاد آخر على أقوال ثالثها التفصيل بين نسيان دليل المسألة وعدمه فيجب عليه تجديد الاجتهاد في الأول دون الثاني ذهب إليه المحقق والسيد العميدي وحكى القول به عن الإمام والآمدي وعزاه في النهاية إلى قوم وقال العلامة في قواعده إنه تفصيل حسن يقرب من قواعدهم الفقهية رابعها التفصيل بين ما إذا قربت قوته في الاستنباط لكثرة الممارسة والاطلاع على وجوه الأدلة وعدمها فيجب على الأول دون الثاني وقد نفي عنه البعد في الزبدة ومال إليها فاضل الجواد في شرحها والمحكي عليه الشهرة بين الأصوليين من أصحابنا والعامة هو القول بعدم وجوب تجديد النظر مطلقا وقد احتجوا عليه بوجوه أحدها استصحاب الحكم الثابت بالاجتهاد الأول ثانيها حصول ما وجب عليه من الاجتهاد بالمرة الأولى نظرا إلى تعلق الوجوب بالطبيعة وحصول الطبيعة بالمرة ووجوب الإتيان مرة أخرى يحتاج إلى قيام دليل عليه عدا ما دل على وجوب أصل الاجتهاد وحيث لم يقم دليل آخر عليه قضى ذلك بالاجتزاء بالمرة الأولى وغاية ما يتخيل احتمال وجوب التجديد إمكان اطلاعه على ما لم يطلع عليه في الاجتهاد السابق وهو مع عدم قيام دليل على نفسه من الحكم مدفوع بالأصل على أنه لو كان مانعا بالحكم لجرى بالنسبة إلى الموانعة مع أنه لا يجب تكرار النظر بالنظر إليه بالاتفاق ثالثها أن القول بوجوب تجديد النظر موجب للعسر العظيم والحرج الشديد المنفي في الشريعة نظرا إلى شيوع تكرار الوقائع سيما فيما يعم به البلوى فوجوب تكرر الاجتهاد بحسبها باعث على ما ذكرنا رابعها جريان السيرة المستمرة على عدم وجوب التكرار ولذا لو سئل مجتهد عن المسألة التي اجتهد فيها مرات عديدة لم يتوقف عن الإفتاء في غير المرة الأولى بل بقي آخرا بما ذهب إليه أولا من غير تأمل أصلا وربما يستدل له أيضا بإطلاق ما دل على حجية كل من الأدلة الشرعية فإن قضية ما دل على ذلك هو جواز الرجوع إلى كل منها والأخذ بما يدل