الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
487
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عليه من غير حاجة إلى البحث عما يعارضه خرج عن ذلك ما إذا كان الرجوع إليه قبل البحث من الأدلة والاجتهاد في تحصيل حكم المسألة نظرا إلى ما دل على وجوب استفراغ الوسع في ملاحظة الأدلة فبقي غير تلك الصّورة مندرجا تحت الأدلة المذكورة فلا يجب الاجتهاد ثانيا وإن زاده القوة أو نسي ما لاحظه من تفصيل الأدلة وأنت خبير بوهن ذلك لعدم انطباقه على المدعى فإن أقصى ما يدل على الاكتفاء حينئذ في الاستدلال بمجرد الرجوع إلى أخذ الأدلة المذكورة من غير حاجة إلى البحث عما يعارضها وأين ذلك عن المدعى على أن الظاهر قيام الإجماع على وجوب البحث عن المعارض على فرض الاستدلال بتلك الأدلة والأخذ بها وعلى القول بعدم وجوب تجديد النظر لا حاجة إلى الرجوع إلى أحد الأدلة المذكورة أيضا مضافا إلى أن ذلك لا يوافق القول بحجية الظنون الخاصة حيث إنه أقيم الدليل حينئذ على حجية كل واحد منها وأما على القول بحجية مطلق الظن فإنما قام الدليل على الرجوع إلى الظن بعد بذل الوسع والاجتهاد في تحصيل الأدلة فحينئذ يبقى الكلام في اعتبار الإتيان بالاجتهاد المذكور بالنسبة إلى كل واقعة أو يكتفي باجتهاد واحد للجميع وليس هناك ما يدل على الثاني لو لم نقم باقتضائه الوجه الأول فتأمل هذا ويرد على الأول بأن الاستصحاب إنما يكون حجة عند عدم قيام دليل شرعي ولو ظاهر عموم أو إطلاق على خلافه فلذا لا يقاوم الاستصحاب شيئا من الظواهر والإطلاقات وحينئذ فنقول إن قضية العمومات والإطلاقات الدالة على عدم جواز الأخذ بالظن هو عدم جواز الرجوع إليه والعمل به في شيء من الأحوال والأزمان خرج ذلك عن ظن المجتهد المطلق بالنسبة إلى الإفتاء الحاصل عقيب الاجتهاد وأما العمل به بعد الحكم الأول فمما لا إجماع عليه وقضية تلك الإطلاقات هو المنع من الأخذ به والحكم ثابتا بمقتضاه فلا يصح الخروج عن مقتضاه بما ذكر من الاستصحاب ويمكن دفعه بأن قضية تلك الإطلاقات عدم حجية الظن من حيث هو مع عدم قيام دليل شرعي قاطع على جواز الرجوع إليه لوضوح أنه مع قيام الدليل عليه يكون الاتكال على العلم دون الظن كما مرت الإشارة إليه فإذا قضى الاستصحاب بجواز الرجوع إليه كفي في المقام إذ لا معارضة إذن بينه وبين تلك الإطلاقات حيث إنها لم تدل إلا على عدم جواز الرجوع إلى كل ظن لم يقم دليل على عدم حجيته فبعد قضاء الدليل بحجية الاستصحاب وقضاء الاستصحاب بحجية الظن المذكور ولا يكون الاتكال في المقام على الظن بل على الدليل القاطع الذي ينتهي إليه الظن المذكور فهذا غاية ما يوجه به التمسك بالاستصحاب في المقام وفيه تأمل وعلى الثاني أن جواز الحكم والإفتاء بمجرد الظن على خلاف الأصل خرج عنه ما إذا وقع ذلك عقيبه بالاجتهاد لقيام الإجماع عليه فيبقى غيره تحت قاعدة المنع إذ لا دليل على جواز الحكم حينئذ عند تجدد الواقعة من غير تجدد النظر وعلى الثاني أنه إن سلم فإنما ينفي وجوب تجديد النظر مطلقا دون القول بالتفصيل ومثله يرد على الرابع أيضا لعدم وضوح قيام السيرة مع نسيان دليل المسألة أو زيادة القوة زيادة ظاهرة يحتمل بسببها عثورها على دليل آخر أو استدراك وجه آخر للاستنباط حجة القول بوجوب تجديد النظر مطلقا أنه يحتمل حينئذ تغير اجتهاده بعد تجديد نظره كما يتفق في كثير من المسائل الظنية ومع الاحتمال المذكور لا بقاء الظن فلا بد ثانيا من استكشاف الحال لدفع هذا الاحتمال ودفعه أولا النقض لقيام الاحتمال المذكور قبل إفتائه في الواقعة الأولى أيضا فلو صح ما ذكر لزم تكرر النظر بالنسبة إليها أيضا وهو باطل اتفاقا كما نص عليه العضدي وهو الظاهر من ملاحظة كلماتهم وثانيا بالمنع من كون قيام الاحتمال المذكور مانعا من حصول الظن وهو ظاهر جدا قلت ويمكن الاحتجاج للقول المذكور بالإطلاقات المانعة عن العمل بالظن حسبما عرفت بيانه وحينئذ يتوقف دفعه على إثبات الجواز بالدليل فالقاعدة إذن قاضية بوجوب تجديد النظر إلى أن يثبت خلافه حجة القول الثالث العمومات الدالة على المنع من الأخذ بالظن خرج عنه صورة تذكر الدليل لما دل على حجية ذلك الدليل ووجوب الأخذ بمقتضاه فيبقى الباقي تحت دليل المنع وأيضا من لم يذكر دليل المسألة لم يكن حكمه فيها مستندا إلى الدليل فيكون محظورا لوضوح حرمة الحكم من غير دليل ويرد على الأول أنه إن سلم قيام الدليل على حجية الأدلة التي استند إليها في الحكم للواقعة الأولى بالنسبة إلى سائر الوقائع أيضا كان ذلك الاجتهاد كافيا في الحكم للجميع من غير حاجة إلى تجديد الاجتهاد ولا فرق حينئذ بين نسيان الدليل وتذكره إذ المفروض خصوصية الدليل وأما كون الحكم مستندا إلى الحجة الشرعية فالمفروض علمه به وهو كاف في جواز الأخذ به وإن قلنا بأن القدر الثابت حجية تلك الأدلة نظرا إلى تلك الملاحظة بالنسبة إلى حكم الواقعة الأولى دون غيرها فلا فرق أيضا في عدم جواز الاستناد إليه بين تذكر الدليل على سبيل التفصيل وعدمه وعلى الثاني أنه إنما يتم إذا لم يذكر استناد الحكم إلى الدليل بأن احتمل عدم استناده إلى الدليل رأسا وأما إذا علم استناده إلى الدليل إجمالا لكن لم يذكر تفصيل الدليل كما هو المفروض في المقام فليس الحكم به حكما بغير دليل لوضوح كونه حينئذ حاصلا عن الدليل مستندا إليه وإن لم يذكر حين الحكم دليله كيف ولو كان ذلك مانعا عن الحكم لكان نسيان تفصيل الدليل قبل حكمه في الواقعة الأولى مانعا عن الاعتماد عليه بالنسبة إليها أيضا ولا قائل به ظاهرا حجة القول الرابع أن مزيد القوة بكثرة الاطلاع والممارسة والاقتدار على استنباط وجوه الدلالة قاض بقوة احتمال اطلاعه على ما لم يطلع عليه في المرة الأولى فلا يبقى له ظن بصحة ما حكم به أولا ويمكن أن يستدل له أيضا بأن ظن صاحب القوة القوية أقرب إلى إصابة الواقع من غيره ولذا قدم تقليد الأفضل على تقليد المفضول فيكون ظنه الحاصل من الاجتهاد الثاني هو المنع بالنسبة إليه دون ظنه الأول فلا بد لتحصيله من تجديد الاجتهاد له ويرد على الأول أن مجرد مزيد القوة لا يقضي بذلك كيف ومن البين عدم اختلاف الحال في الحكم في كثير من المسائل زيادة القوة ونقصها بل ربما يقطع المجتهد مع زيادة القوة بعدم اختلاف فهمه للحكم سيما إذا تذكر تفصيل الأدلة فلا حاجة إلى المراجعة الجديدة ومنه يظهر الجواب عن الوجه الثاني لاختلاف المسائل في ذلك فلا يتم إطلاق القول بوجوب تجديد النظر مع زيادة القوة والذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال إن الإفتاء الثاني إما أن يكون عقيب الأول من غير نزاع منه أو مع التراخي مع استحضاره لدليل المسألة و