الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

483

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

المدارك الشرعية للأحكام المقررة في الشريعة وأمور مضبوطة مقررة عند الشيعة في الجملة مقطوع بها عندهم ولا يجوزون الرجوع إلى مطلق الظن كما جوزه أهل الخلاف ومن البين أن الحكم المستفاد مما قام على حجية الأدلة القطعية يكون قطعيا بحسب الشريعة وإن كان مصادفته للواقع ظنية فهم إنما يريدون بالدليل القطعي ما يقطع بوجوب العمل به فإذا كان الدليل قطعيا بحسب العمل كان كغيره من الأدلة المفيدة للقطع بالواقع حسب أن المقصود من الفقه تصحيح العمل دون مجرد الاعتقاد المفروض كون ما يفيد العلم بالواقع وما تفيد العلم بوجوب العمل مشتركين بالقطع في العمل ومعرفة التكليف فلذا صح عد الأدلة المذكورة علمية مفيدة للقطع في مقابلة سائر الأمارات المفيدة للظن ومنه يظهر الوجه في عدم تجويزهم للعمل بالظن حيث لم يقم عندهم دليل قطعي على جواز الأخذ به بل قام على خلافه كما بين في محله وفي كلام الشيخ في العمدة ما يشير إلى ما ذكرنا حيث إنه دفع استدلال القائلين بالمنع من القياس بالآيات الدالة على المنع من الحكم بغير العلم بأن للمخالف أن يقول ما قلنا بالقياس إلا بالعلم وعن العلم فلم يخالف ظاهر الكتاب وإنما ظننتم علينا أنا نعلق الأحكام بالظنون وليس نفعل ذلك بل الحكم عندنا معلوم وإن كان الطريق إليها الظن هذا ولا يذهب عليك أن المستفاد من العبارات المذكورة أن عدم جواز العمل بمطلق الظن من الاتفاقيات بين الخاصة وأن القول بجوازه من خواص العامة وظاهر ذلك يعطي كون الأصل عندهم جواز العمل بالظن إلا ما قام الدليل القاطع أو المنتهي إلى القطع على خلافه كما هو المختار لا ما يدعيه جماعة من متأخري المتأخرين من انقلاب الأصل وكون قضية الأصل حينئذ حجية الظن إلا ما قام الدليل على خلافه فإنه أشبه شيء بمذهب العامة بل عين ما ذهبوا إليه وأما الوجه الأول فهو بعيد جدا عن طريقتهم كما لا يخفى ومنه يظهر ضعف ما ذكره المحدث المذكور من كون طريقة المجتهدين موافقة للعامة لا تخالفهم إلا نادرا ثم إن ما ذكره الشيخ من أنه لا يتعدى مضمون الأخبار فهو من الأمور المعلومة عند الشيعة لعدم حجية القياس عندهم والاستناد إلى منصوص العلة أو مفهوم الموافقة ونحوهما ليس تعديا عن الأخبار كما قرر في محله ومما ذكرنا يظهر الحال في باقي العبارات المنقولة وقد نص المحقق في المعارج بأن الاجتهاد في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية قال وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهادا لأنها يبتني على الاعتبارات النظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره فيكون القياس على هذا التقدير أحد أقسام الاجتهاد فإن قيل يلزم على هذا أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد قلنا الأمر كذلك لكن فيه إيهام من حيث إن القياس من جملة الاجتهاد فإذا استثنى القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس انتهى والحاصل أن اختيار كثير من هؤلاء كالسيد والشيخ وابن إدريس والمحقق وأضرابهم بطريقة المجتهدين أمر ظاهر جلي معلوم من ملاحظة كتبهم في الاستدلال واعتمادهم على الإجماع واستنادهم إليه في كثير من المسائل مما لا مجال لإنكاره كما ينادي به ملاحظة كتبهم وكذا الحال في اعتمادهم على كثير من المطالب المقررة في الأصول كما يظهر من الرجوع إلى كيفية استدلالهم في المسائل الفقهية ومن ملاحظة ما قرره السيد في الذريعة والشيخ والعدة والمحقق في المعارج بأن للعامي تقليد العالم والأخذ بقوله وحكي بالإجماع عليه وبالجملة أن اختيار هؤلاء طريقة المجتهدين أمر واضح يكاد يلحق بالضروريات فالاستناد إلى ما يوهمه العبارات المذكورة لدفعهم طريقة الاجتهاد واختيارهم مذهب الأخباريين من العجائب وحيث إنهم لم يقرروا خلافا بين الشيعة في الطريقة على حسبما وقع الاختلاف فيه بين المتأخرين ولا أشاروا إلى ذلك في شيء من كتبهم الأصولية كالذريعة والعدة والغنية والمعارج وكتب العلامة وغيرها دل ذلك على انتفاء الخلاف في ذلك وإن اختلفوا في بعض الخصوصيات حسب ما بينوا كلا منها في محله فما ذهب إليه الأخبارية من متأخري علمائنا من حرمة العمل بالأدلة الظنية مطلقا ووجوب تحصيل العلم بالأحكام وانفتاح سبيله على المكلفين في المسائل الشرعية والمنع من التقليد بالمرة الظاهر أنه مذهب جديد لم يذهب إليه أحد من علمائنا المتقدمين قد أحدثه مولانا محمد أمين الأسترآبادي لزعمه أنه مذهب قدمائنا أخذا بما يوهمه بعض إطلاقاتهم من غير إمعان النظر فيما حاولوا من ذلك ولشبهات عرضت له قد عجز عن حلها وزعم أنها أدلة على الطريقة التي سلكها وسنشير إليها ونوضح القول بفسادها إن شاء الله كيف ولو كان ذلك مذهبها معروفا بين علماء الشيعة لذكروه في كتب الأصولية وأشاروا إلى من خالف فيه فإن قلت إن علماء الشيعة قد كانوا من قديم الزمان على صنفين من أخباري وأصولي كما أشار إليه العلامة في النهاية وغيره قلت إنه وإن كان المتقدمون من علمائنا أيضا على صنفين وكان فيهم أخبارية يعملون بمتون الأخبار إلا أنه لم يكن طريقتهم ما زعمه هؤلاء بل لم يكن الاختلاف بينهم وبين الأصولية إلا في سعة الباع في التفريعات الفقهية وقوة النظر في تقرير القواعد الكلية والاقتدار على تفريع الفروع عليها فقد كانت طائفة منهم أرباب النصوص ورواة الأخبار ولم يكن طريقتهم التعدي عن مضامين الروايات وموارد النصوص بل كانوا يفتون غالبا على طبق ما يروون ويحكمون على وفق متون الأخبار وفي المسائل المتعلقة بالفروع والأصول ولم يكن كثير منهم من أهل النظر والتعمق في المسائل العلمية ممن له سعة باع في الاقتدار على الاستدلال في المسائل الكلامية والفروع الفقهية وإن قصدوا ذلك أحيانا عند مسيس الحاجة وهؤلاء لا يتعرضون غالبا للفروع الغير المنصوصة وهم المعروفون بالأخبارية وطائفة منهم أرباب النظر والبحث من المسائل وأصحاب التحقيق والتدقيق في استعلام الأحكام من الدلائل ولهم الاقتدار على تأصيل الأصول والقواعد الكلية عن الأدلة القائمة عليها في الشريعة والتسلط على تفريع الفروع عليها واستخراج أحكامها منها وهم الأصوليون منهم كالعماني والإسكافي وشيخنا المفيد وسيدنا المرتضى والشيخ قدس الله أرواحهم وغيرهم ممن يحذو حذوهم وأنت إذا تأملت لا تجد فرقا بين الطريقتين إلا من جهة كون هؤلاء أرباب التحقيق في المطالب وأصحاب النظر الدقيق في استنباط المقاصد وتفريع الفروع