الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
484
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
على القواعد ولذا اتسعت دائرتهم في البحث والنظر وأكثروا من بيان الفروع والمسائل وتعدوا عن متون الأخبار إلى ما يستفاد منها بالفحوى أو بطريق الالتزام أو غيرهما وأولئك المحدثون ليسوا غالبا بتلك القوة من الملكة وذلك التمكن من الفن فلذا اقتصروا على ظواهر الروايات ولم يتعدوا غالبا عن ظاهر مضامينها ولم يوسعوا الدائرة في التفريعات على القواعد ولذا رأيهم لما كانوا في أوائل انتشار الفقه وظهور المذهب كان من شأنهم تنقيح أصول الأحكام التي عمدتها الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة فلم يتمكنوا من مزيد إمعان النظر في مضامينها وتكثير الفروع المتفرعة عليها ثم إن ذلك إنما حصلت بتلاحق الأفكار في الأزمنة المتأخرة ولا زالت تتزايد وتتلاحق الأعصار وتتزايد الأفكار هذا وقد ظهر مما ذكرناه أن ما حكاه عن ضرير وأضرابه من اقتصارهم على موارد النصوص مما لا منافاة فيه لما ذكرنا مع ما هناك من البون البعيد بيننا وبين أولئك لكونهم في عصر الإمام عليه السلام وعدم احتياجهم في كثير من المسائل إلى الاجتهاد على أنه لا يبعد أن يكون مقصوده بذلك عدم احتياجه في استنباط الأحكام الشرعية إلى القياس ونحوه من التخريجات العقلية الظنية مما لا يستند إلى صاحب الشريعة ويؤيده أنه قد روى الكشي رحمه الله عنه وهذا يشير إلى عمله بظاهر الكتاب من دون حاجة إلى ورود رواية في تفسيره وأخذه بما يتفرع عليه من الفروعات وعدم اقتصاره في الأحكام على موارد الأخبار وظهر أيضا مما بيناه أن تصانيفهم المتعلقة برد الاجتهاد وبيان المنع منه مما لا ربط له بما نحن فيه إذ المقصود هناك على ما عرفته مورد ما عليه العامة العمياء من الرجوع إلى القياس أو غيره من سائر الوجوه التخريجية والاستحسانات العقلية الغير المستندة إلى صاحب الشريعة واشتراك ذلك وما نحن فيه في إطلاق لفظ الاجتهاد عليه لا يوجب سريان المنع إلى الاجتهاد بالمعنى المقصود في المقام وهو واضح ومنها نصوص الكتاب الدالة على المنع من الأخذ بالظن والروايات المتكثرة بل المتواترة الدالة على لزوم الأخذ بالعلم وعدم جواز الحكم بالظن وما دل على عدم جواز الإفتاء بالرأي مثل قوله اتقوا الله ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون وقوله صلى اللَّه عليه وآله إياك أن تدين الله وتفتي الناس بما لا تعلم وقوله عليه السلام إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها ووضع يده على فيه وقوله عليه السلام رجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النار وقوله عليه السلام من أفتى الناس وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك وقوله عليه السلام من دان الله بالرأي ولم يزل دهره في التباس وقول الباقر عليه السلام من أفتى برأيه فقد دان الله بما لا يعلم وقول الصادق عليه السلام فيما رواه محمد بن مسلم وقد قال له إن قوما من أصحابنا قد تفقهوا وأصابوا علما ورووا أحاديث فيرد عليهم فيقولون برأيهم فقال لا فقل لهلك من مضى إلا بهذا وأشباهه وقوله عليه السلام فيما رواه ابن مسكان من حبيب قال قال لنا أبو عبد الله عليه السلام إن الناس سلكوا سبيل شتى فمنهم من أخذ بهواه ومنهم من أخذ برأيه وأنكم أخذتم بما له أصل يعني بالكتاب والسنة وقوله عليه السلام إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعيتهم السنن أن يحفظوها فقالوا في الحلال والحرام برأيهم فأحلوا ما حرم الله وقوله عليه السلام في أصحاب الرأي استغنوا بجهلهم وتدابيرهم عن علم الله واكتفوا بذلك دون رسوله والقوام بأمره وقالوا لا شيء إلا ما أدركته عقولنا وعرفته ألبابنا فولاهم الله ما تولوا وأهملهم وخذلهم حتى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون وقوله عليه السلام إياك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم إلى غير ذلك من الأخبار والمستفاد من هذه الروايات وما يفيد مفادها عدم جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعية والمنع من العمل بالاستنباطات الظنية قال في الفوائد الطوسية إن الأخبار في هذا المعنى قد تجاوزت حد التواتر وقد جمعنا منها في مواضع أخر أكثر من ألف حديث وفيه أما أولا فبأن المراد بالآيات والروايات الدالة على وجوب الرجوع إلى العلم وعدم جواز الأخذ بالظن هو عدم الاكتفاء في الحكم والإفتاء بالظن من حيث إنه ظن وأما بعد الأول إلى العلم وقيام الدليل القاطع على تعيين العمل بالوجوه المقررة أفادت العلم بالواقع أو لم تفد فلا ريب أن الفتوى والعمل إنما يكون حينئذ بالعلم دون غيره فلا تندرج الصورة المفروضة في شيء من الآيات والروايات المذكورة لعلم المفتي والقائل بكون ذلك هو المقصود منه في الشريعة والمكلف به في حكم الشرع وإن لم يعلم بكون ذلك هو الحكم الأولي وقد أشار إلى ذلك الشيخ في العدة كما مر والأخبار المانعة عن الفتوى بالرأي إنما يراد بها ما تداولته العامة أو ما بمعناه من الاستحسان ونحوه وأما الرجوع إلى الكتاب والسنة وسائر الأصول المقررة في الشريعة فليس من الرجوع إلى الرأي أصلا وإن لم يستفد منها العلم بالواقع سيما بعد قيام الدليل القاطع على وجوب الأخذ بها كما هو المدعى وأما ثانيا فبأن تلك الروايات وإن سلم كونها متواترة لكن دلالتها على ما ذكر ليست قطعية فلو لم نقل بأن الظاهر منها النهي عن الأخذ بما يعلم تجويز الشارع الأخذ به فلا أقل من احتمال ذلك ولو احتمالا مرجوحا وكذا يحتمل ورود التقييد على تلك الإطلاقات فلا يزيد مفادها على الظن ففي الاستناد على المدعى إبطال لأصل الدعوى وأما ثالثا فبأنه لو سلم دلالتها على ذلك وجواز الاستناد إليها فيما ذكر فلا مانع من ورود التقييد عليها بعد ثبوت المقيد ومن البين أن القائل بحجية الظنون الخاصة أو مطلق المظنة حين انسداد سبيل العلم فإنما يقول به بدليل قطعي لما عرفت من عدم حجية الظن من حيث إنه ظن من غير خلاف ظاهر فيه وظاهر أنه بعد ثبوته بالدليل لا وجه للاستناد إلى الإطلاق ومنها ما دل عليه الأخبار المتواترة بل ضرورة دين الإسلام من أن حلال محمد صلى اللَّه عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة فإن ذلك ينافي الأخذ بالأدلة الظنية ضرورة أن الظن مما يتغير ويتبدل وحرام الله وحلاله مما لا تغيير فيه ولا تبديل وقد قرر بعضهم هذا الوجه بهذه الصورة وهي أن كل حكم اجتهادي قابل للتغيير مناف للشريعة الإسلامية الأبدية فينتج أن كل حكم اجتهادي مخالف للشريعة الإسلامية ووهنه واضح أما أولا فبأنه منقوض بما يحكم الأخباريون لجواز الرجوع عن الحكم بالنسبة إليهم أيضا كما إذا عملوا بالعموم ثم عثروا بعد ذلك على خبر يخصصه أو فهموا أولا من الخبر