الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

482

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في الأحكام الشرعية وقال في موضع آخر إن القول بحجية ظن المجتهد على نفسه وعلى من يقلده مذهب العلامة والشهيدين والشيخ حسن والشيخ علي والشيخ بهاء الدين لا غير وباقي علمائنا المتقدمين والمتأخرين على بطلان ذلك كله وهذا كما ترى وقد ذكر جملة من عبائر القدماء الموهومة لما ادعاه لا بأس بأن نشير إلى جملة ثم نتبعها بإيضاح فساد تلك الدعوى فمن ذلك ما ذكره الكليني في أول الكافي قال والشرط من الله فيما استعبد به خلقه أن يؤدوا جميع فرائضه بعلم ويقين وبصيرة إلى أن قال ومن أراد خذلانه وأن يكون إيمانه معارا مستودعا سبّب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل بغير علم وبصيرة وقال الصدوق في العلل بعد ذكر حديث موسى والخضر إن موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتى اشتبه عليه وجه الأمر به فإذا لم يختر لأنبياء الله تعالى ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك إلى أن قال فإذا لم يصلح موسى للاختيار مع فضله ومحله فكيف تصلح الأمة لاختيار الإمام وكيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة وقال السيد في الذريعة عندنا أن الاجتهاد باطل وأن الحق المدلول عليه وأن من أخطأ غير معذور وقد نص السيد هناك أيضا بأن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا القياس ولا الاجتهاد وقال في الإنتصار في أول كتاب القضاء إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطؤه ظاهر وقال في المسألة التي بينها أن من خالفنا اعتمد على الرأي والاجتهاد دون النص والتوقيف وذلك لا يجوز وقال في كتاب الطهارة منه في مسألة مسح الرجلين إنا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به وقد ذكر أيضا في عدة من كتبه أن ما يفيد الظن دون العلم لا يجوز العمل به عندنا وقال الشيخ في العدة والقياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين بل محظور في الشريعة استعمالها وقال في موضع آخر منه وإنا نقول بالاجتهاد والقياس وقال أيضا وأما الظن فعندنا أنه ليس بفاصل في الشريعة تنسب الأحكام إليه وإن كان تقف أحكام كثيرة عليه نحو تنفيذ الحكم عند شهادة الشاهدين ونحو جهات القبلة وما جرى مجراه انتهى ومعلوم أن ما حكم بجواز العمل فيه بالظن من الموضوعات دون الأحكام وقال في مواضع من التهذيب وأنا لا نتعدى الأخبار وقال ابن إدريس في مسألة تعارض البينتين بعد ذكر عدة من المرجحات ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا وقال الطبرسي في المجمع لا يجوز العمل بالظن عند الإمامية إلا في شهادة العدلين وقيم المتلفات وأرش الجنايات وظاهر أن ما استثناه من قبيل الموضوعات دون الأحكام وقال المحقق في المعتبر ثم إن أئمتنا مع هذه الأخلاق الطاهرة والعدالة الظاهرة يصوّبون رأي الإمامية في الأخذ عنهم ويعيبون على غيرهم ممن أفتى باجتهاده وقال برأيه ويمنعون من يأخذ عنه ويستخفون رأيه وينسبونه إلى الضلال ويعلم ذلك علما ضروريا صادرا عن النقل المتواتر فلو كان ذلك يسوغ لغيرهم لما عابوا وقال فيه أيضا واعلم أنك مخير في حال فتواك عن ربك فما أسعدك إن أخذت بالجزم وما أخيك أن بيّنت على الوهم فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى وأن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون انتهى وفي ملاحظة أحوال الرواة أيضا ما يفيد ذلك فقد روى الكشي عن أبي حنيفة قال له أنت لا تقول شيئا إلا برواية قال أجل وروى الكشي وغيره عن أكثر علمائنا المتقدمين وخواص الأئمة عليهم السلام أيضا مثل ذلك بل ما هو أبلغ منه وقد صنف جماعة من قدمائنا كتبا في رد الاجتهاد وعدم جواز الأخذ به منها كتاب النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد وذكره النجاشي والشيخ في مصنفات الشيخ الجليل إسماعيل بن علي بن إسحاق عن أبي سهل بن نوبخت ومنها كتاب النقض اجتهاد الرأي علي بن راوندي ذكره الشيخ في ترجمة إسماعيل المذكور نقلا عن ابن النديم أنه من مصنفاته ومنها الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس من مصنفات عبد الله ابن عبد الرحمن التبريزي ذكره النجاشي ومنها كتاب الرد على من رد آثار الرسول واعتمد على نتائج القول من مؤلفات الشيخ الجليل هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني ذكره النجاشي ومنها كتاب النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي من مؤلفات الشيخ المفيد إلى غير ذلك من الكتب في هذا الشأن أقول وأنت خبير بأنه لا دلالة في شيء مما ذكر على ما ادعاه بل لا إشعار فيها على ما ذكره أما عبارة الكليني والصدوق رحمه الله فلظهور أن المقصود مما ذكراه عدم جواز الاعتماد في الأحكام الشرعية على الظنون العقلية والاستحسانات الظنية والتخريجات التخمينية كما هي الطريقة المتداولة بين العامة ومن البين إطباق أصحابنا على المنع منه وليس في كلامهما ما يفيد غير ذلك وليس مقصودهما عدم جواز الاجتهاد بمعنى بذل الوسع في فهم الكتاب والأخبار النبوية والإمامية وتمييز الأخبار المعتبرة عن غيرها وفي إجراء القواعد المقررة في الشريعة من أصالة البراءة والإباحة والاحتياط وغيرها من الأصول الممهدة في الشريعة وأما ما ذكره السيد والشيخ من المنع من الرجوع إلى الاجتهاد والأخذ بالظن في مذهب الشيعة فالمراد بالاجتهاد هو المتداول بين العامة أعني تحصيل مطلق الظن بالحكم دون الرجوع إلى الأدلة الشرعية المقررة في الشريعة التي قامت عليها الأدلة وبذل الوسع في تحصيل الظن من تلك المدارك المعينة المفيدة للعلم من جهة أخرى والحاصل أن هناك اجتهادا في استخراج الأحكام ولو بمجرد الظنون العقلية ونحوها واجتهادا في فهم الحكم واستخراجه من الأدلة المذكورة والممنوع منه في كلامهم إنما هو الأول دون الثاني لوضوح رجوعهم إلى الأدلة وتحصيل الظن بالأحكام الشرعية والحكم على سبيل الظن والاستظهار عن الأدلة غير عزيز في كلام السيد والشيخ وغيرهما وقد كان الاجتهاد في كلام الأوائل إنما يطلق على تحصيل الحكم بالوجه الأول كما يظهر من ملاحظة كتب الأصول ومن ذلك ما اشتهر في مقام دفع بعض الوجوه التخريجية أنه اجتهاد في مقابلة النص ويشير إليه ذكر القياس والرأي معه ومقابلته بالرجوع إلى النص والتوقيف بل في ظاهر العدة وغيره دلالة على إطلاق الاجتهاد عندهم على خصوص استنباط الحكم بالقياس وقد حملوا الاجتهاد الوارد في حديث معاذ على القياس وجعلوا تلك الرواية دليلا على مشروعية وقد ذكروه في باب القياس وكأنها وما في معناها مما رووا هي الأصل في إطلاق تلك اللفظة على القياس والرأي والمراد بالظن الممنوع منه هو مطلق الظن من حيث إنه ظن حيث إن