الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

479

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بمدارك الأحكام الشرعية غاية الأمر أنه يدعى جريان الطريقة هناك على الرجوع إلى غيره أيضا هو كلام آخر ولا ربط له بالمقام وقد مرت الإشارة إلى ما فيه ثم الظاهر أن مقصود من قضاء الضرورة بحجية ظن المطلق هو أن الاضطرار إلى العمل بعد خفاء مدارك الأحكام يقضي بحجية فهم من يستنبط الأحكام منها وإلا لزم الخروج عن الدين والقدر المتيقن من ذلك هو حجية فهم المطلق لاندفاع تلك الضرورة به دون ما يزيد عليه وليس مقصوده شيئا من الوجهين اللذين أشار إليهما كيف والوجه الأول منهما ضروري الفساد والثاني فاسد أيضا وإن سلمه المعترض إذ لا بداهة قاضية بترجيح الناقص فهم نفسه على فهم الكامل المتدرب حتى يكون عدم جواز تقليده له من الضروريات كيف وقد ذهب جماعة من الفحول إلى عدم جواز ترجيح ظنه على ظن الآخر ووجوب الأخذ بقوله قوله ومع ذلك فالحكم في نفسه مستبعد لا يخفى لو كان وظيفة المتجزي هو التقليد لم يكن من شأنه إلا الرجوع إلى المجتهد وإذا كان ذاهبا إلى جواز التجزي وحجية ظن المتجزي وقائلا بجواز التقليد في المسائل المتعلقة بالعمل من أصول الفقه كهذه المسألة لم يكن له بد من الحكم بعمله بمؤدى ظنه فالاستبعاد المذكور ليس في محله ثم لا تذهب عليك أن ما ذكره المصنف على فرض صحته لا يفيد كون وظيفة المتجزي هو الأخذ بالتقليد إذ غاية ما يلزم حينئذ بطلان الدليل الدال على وجوب رجوعه إلى ظنه ولم يقم دليلا قطعيا على جواز أخذه بالتقليد وكما أن رجوعه إلى ظنه يتوقف على قيام دليل قاطع قطعي عليه فكذا رجوعه إلى التقليد ومع عدم قيام دليل قطعي عليه لا يتم الحكم بعدم جواز أخذه بظنه بل قضية التقرير المذكور هو حجية ظنه في الجملة إذ غاية الأمر حينئذ تخييره بين الوجهين وهو يفيد جواز رجوعه إلى ظنه أيضا فتأمل هذا ملخص القول في مسألة التجزي وقد عرفت أن المتيقن من التجزي هو من كان كل من استنباطه للمسائل واقتداره على ذلك جزئيا وأما لو كانت قوية تامة مع كون الفعلية ناقصة على الوجه الذي أشرنا إليه فالذي نص عليه جماعة أنه مجتهد مطلقا كما قدمنا الإشارة إليه وكان الفقيه الأستاذ قدس سره ذاهبا إلى عدم حجية ظنه فما لم يكن مستنبطا لقدر يعتد به من الأحكام بحيث يعد فقيها عرفا على صدق سائر ما يشتق من أسامي العلوم على أربابها لا حجية في ظنه بالنسبة إليه وإلى غيره وهو قبل البلوغ إلى تلك الدرجة ليس بفقيه ووظيفته الرجوع إلى الفقيه لما دل على أن الناس صنفان فقيه وغير فقيه وأن وظيفة الثاني الرجوع إلى الأول ولأن المذكور في مقبولة عمر بن حنظلة اعتبار معرفتهم بأحكامهم عليهم السلام وهو جمع مضاف يفيد العموم ولا أقل من العموم العرفي وهو غير صادق بمجرد عموم الملكة ما لم يكن عالما بالفعل بقدر يعتد به بحيث يصدق عليه عرفا بأنه عارف بالأحكام فالتفصيل بين حجية ظنه بالنسبة إليه دون غيره خارج عن الطريقة إذ لو كان مجتهدا صح له الرجوع إلى ظنه ولغيره الرجوع إليه وإلا لم يجز في المقامين ويشكل بأنه لا دليل على دوران المكلف بين الوجهين سوى ما قد يتخيل من الإجماع والقدر المسلم منه على ثبوته هو لزوم كون المكلف عالما بحكمه على سبيل الاجتهاد أو أخذا له بطريق التقليد وأما كونه مجتهدا في بعضها وهكذا في بعضها لم يقم إجماع على المنع منه كيف وكثير منهم قد جوزوا التجزي في الاجتهاد على أنه قد يقال بصدق عنوان الفقيه عليه بالنسبة إلى ما اجتهد فيه إلا أنه غير متجه حسبما مرت الإشارة إليه في أوائل الكتاب وقيام الإجماع على الملازمة بين عدم حجية ظنه بالنسبة إلى غيره وعدمها بالنسبة إليه غير ظاهر كيف والافتراق بينهما في المجتهد الفاسق والمفضول مع وجود الأفضل بناء على المنع من الرجوع إليه ظاهر فأي مانع من البناء على التفصيل في المقام أيضا لكن لا يخفى عليك أنه لم يقم أيضا إجماع على حجية ظنه بالنسبة إليه وحينئذ فيشكل اعتباره عليه على نحو ما مر بيانه في المتجزي فيجري فيه ما قدمناه من التفصيل في حكم المتجزي فالظاهر أنه بمنزلته وإن كان القول بحجية ظنه أقوى من الحكم بحجية ظن المتجزي فيجري الكلام المذكور في صاحب القوة التامة الخالية عن الفعلية بالمرة فإن قلنا بجواز التقليد للمجتهد المطلق بالنسبة إلى المسائل التي لم يجتهد فيها فالأمر فيه ظاهر وأما بناء على المنع منه فيشكل الحال فيه أيضا والأظهر حينئذ رجوعه إلى ظنه حسبما مر في المتجزي لما عرفت هذا بالنسبة إلى ما يقتضيه ظواهر الأدلة في شأنه وأما تكليفه في نفسه وبحسب فهمه في صحة تقليده أو وجوب اجتهاده ورجوعه إلى ظنه فيجري فيه ما قدمناه من التفصيل لعدم قيام دليل قاطع على جواز تقليده أو رجوعه إلى ظنه على نحو ما ثبت بالنسبة إلى العامي والمجتهد المطلق وظاهر الجماعة أيضا إدراجه في المطلق وهو ضعيف ولو كانت فعلية تامة مع نقص القوة بأن كان عاجزا عن إدراك المسائل المشكلة من دون تلقين الغير وتعليمه إياه لوجه الترجيح فلا يقتدر بنفسه على استخراجها والابتداء إليها فالظاهر إدراجه في الفقيه لصدق العنوان فيندرج تحت الإجماع القاضي بحجيته وربما يتراءى من ظاهر بعض كلماتهم عدم اندراجه فيه نظرا إلى أن القدر المتيقن من الحكم بجواز التقليد هو تقليد المجتهد المطلق وأما غيره فلم يقم دليل قاطع على جواز الرجوع إليه وقضية الأصل عدم جواز الرجوع إليه وعدم الاكتفاء في الحكم للبراءة بعد اليقين بالاشتغال بمجرد تقليده والأظهر أن حجية ظنه بالنسبة إليه قاض بحجيته بالنظر إلى غيره في الجملة وفي مشهور أبي خديجة المتقدمة دلالة عليه فلو انحصر الأمر من الرجوع إليه لم يبعد وجوبه نعم لو دار الأمر بين الرجوع إليه وإلى المطلق من الأحياء لم يجز الرجوع إليه بناء على وجوب تقليد الأفضل فلا فرق بينه وبين المطلق في ذلك هذا بالنظر إلى ما يقتضيه الأدلة الظنية وأما المقلد فلا يجوز له الرجوع إليه من غير قيام دليل قاطع عنده على جواز تعويله عليه لما عرفت ولو رجع إلى المجتهد المطلق في جواز رجوعه إليه لم يكن به بأس كما إذا قلد الميت أو المفضول بتقليده الحي أو الأفضل في ذلك ولنتم الكلام في مباحث الاجتهاد برسم أمور أحدها في بيان شرعية الاجتهاد وإثبات الاعتماد على ظن المجتهد ويمكن الاستدلال عليها بوجوه الأول العقل ويبتني ذلك على بيان انسداد العلم في كثير من الأحكام بل معظمها وانحصار الطريق بالعمل بالظن والأخذ بالظنيات والقواعد التي لا تفيد علما بالواقع في الخصوصيات ويدل عليه بعد قضاء الضرورة الوجدان بذلك إذ لا يحصل للنفس بعد كمال الجد وبذل الوسع في معرفة الأحكام وغاية الاهتمام في النظر في الأدلة والبحث عن مدارك الأحكام الشرعية وملاحظة الأمارات المؤيدة ما يزيد