الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

480

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

على المظنة فيكفي فيه ملاحظة الوجدان عن مئونة البيان أن ما يكون من الأدلة الشرعية علمية مفيدة للقطع بالواقع في الوقائع أو محتملة لإفادة اليقين بالواقع أو قيل بإفادتها لذلك أما الإجماع أو العقل المستقل أو الكتاب والسنة المتواترة وما بمنزلتها أو سائر الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة المذكورة في الكتب المعتمدة أما الإجماع والعقل الكاشف عن الواقع فلم ينهضا إلا في قليل من الأحكام فمع ذلك فلا يفيدان غالبا بالتفصيل وأما الكتاب فهو ما كان قطعي المتن إلا أنه في الغالب ظني الدلالة ومع ذلك لا يستفاد منه غالبا إلا أمور إجمالية وأما السنة المتواترة وما بمنزلتها فلا توجد إلا في نادر من الأحكام مع أنها لا يفي غالبا إلا بالأحكام الإجمالية وأما سائر الأخبار المأثورة المذكورة في الكتب المعتمدة فهي ظنية بحسب المتن والدلالة إذ وجوه الاختلال الطارية عليها سندا ودلالة كثيرة قد أشرنا إليها فيما مضى وقد فصلنا القول في بيان طينتها وعدم إفادتها اليقين بالواقع بما لا مزيد عليه وأوضحنا فساد ما لفقه جماعة من الأخبارية من الشبه في بيان قطعيتها ولو سلم قطعية تلك الأخبار حسب ما ادعوا فمن البين أنها لا تفي ببيان جميع الفروع المتجددة على سبيل التفصيل بل لا بد من التأمل في إدراجها فيما يناسبها من القواعد المقررة في تلك الأخبار ومن الظاهر أيضا اختلاف الأنظار في ذلك وعدم إمكان تحصيل اليقين غالبا لذلك كما لا يخفى على من مارس تفريعات الفقهية وأمعن النظر فيما يرد عليه من الفروع المتجددة فإنه لا مناص غالبا من الأخذ بالظن في الحكم باندراجها في خصوص كل من القواعد المقررة وذلك أيضا من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى البيان فإذا تقرر انسداد باب العلم في معرفة الأحكام مع القطع ببقاء التكليف تعين الانتقال إلى الظن أو الأخذ بالوجوه الظنية التي دلت على حجيتها الأدلة المخصوصة وهو المعنى بالاجتهاد الثاني انعقاد الإجماع عليه من الخاصة والعامة وقد نص بانعقاد الإجماع عليه جماعة من أجلاء الطائفة ومعلوم من ملاحظة الطريقة الجارية المستمرة في سائر الأعصار والأمصار بين الشيعة وملاحظة كتب الفتاوي والاستدلال كافية في العلم به وقد ناقش في ذلك بعض من الأخباريين بوجوه موهونة لا بأس بالإشارة إليه ليقضي بالعجب منها قال والجواب أولا بمنع حجية الإجماع إذ لم يورد عليها دليلا قطعيا والاعتماد على الظن في الأصول غير معقول بل الدليل الظني الذي أوردوه غير تام ولا سالم عن المعارضة بما هو أقوى منه وثانيا بمنع انعقاد الإجماع هنا بمخالفة المتقدمين والمتأخرين وتصريحاتهم بذلك بطول الكلام بنقلها وثالثا بتقدير انعقاد الإجماع فهو دليل ظني لا يجوز العمل به في الأصول ورابعا أنه ظني لا يجوز الاستدلال به على الظن إذ يلزم منه الدور وخامسا المعارضة بمثله فقد نقل الشيخ في العدة الإجماع على خلافه وهو مقدم لتقدمه وتواتر النصوص به وسادسا أن الإجماع عند محققيهم أن ما يعتبر مع العلم بدخول الإمام ولا سبيل إلى تحقيق ذلك هنا وسابعا أنه على تقدير ثبوت قول الإمام هنا فالحجة قول الإمام لا الإجماع وهو على ذلك التقدير خبر واحد لا يعارض المتواتر وثامنا أنه على تقدير ثبوت قول الإمام هنا وهو خلاف الآيات الصريحة ومعارضة من قول الأئمة عليهم السلام موافق لها فتعين المصير إليه للأمر بالعرض على الكتاب وتاسعا أنه على ذلك التقدير موافق للعامة فتعين حمله على التقية والعمل بما يعارضه لعدم احتمال التقية ونظيره الإجماع على بيعة أبي بكر فقد دخل فيها أمير المؤمنين عليه السلام ولم يدل دخوله على صحتها للتقية وهذا أقوى المرجحات المنصوصة على تقدير وجود المعارض الصحيح فكيف وهو هنا غير موجود انتهى وأنت خبير بأن أقصى ما يمكن إيراده في المقام وإن كان واضح الفساد أيضا المنع من تحقق الإجماع لما يتوهم من كلمات جماعة من الأصحاب من المنع من الاجتهاد أو العمل بالظن وقد أشار إليه بما ذكر من مخالفة جماعة من المتقدمين والمتأخرين فيه وحكاية الشيخ الإجماع عليه وسيجيء الإشارة إلى جملة من عبائرهم بما يوهم دلالتها على ذلك ونوضح القول في فساده إن شاء الله وأما سائر ما ذكر من الإيرادات فغير معقولة لما هو واضح من أن الإجماع على فرض تحققه من الأدلة القطعية الكاشفة عن رأي الإمام عليه السلام أو عن الحجة التي لا مجال للتشكيك على حجيته ولزوم الأخذ به حسبما حقق في محله نعم لو أريد به الإجماع المنقول صحت دعوى كونه ظنيا إلا أنه غير مراد المستدل قطعا وحينئذ فمعارضته بحكاية الشيخ غير متجهة على أنه من الواضح أن مراد الشيخ من الاجتهاد غير ما هو المقصود في المقام وليت شعري كيف يعقل القول بدعوى الشيخ الإجماع على حرمة الاجتهاد والمنع منه مع ما يرى من طريقته في الاحتجاج في المبسوط وغيرهما وسنوضح ما هو مقصوده من الاجتهاد في ذلك المقام وأنه مما لا ربط في المرام وما ذكره من أن مفاد الإجماع المذكور مخالف للآيات الصريحة والأخبار المأثورة ضعيف جدا لوضوح كون مفاد الإجماع على فرض تحققه قطعيّا وأقصى ما يسلم كون ظاهر إطلاق الآيات والروايات ذلك فكيف يمكن أن يقاوم القاطع مضافا إلى أن الاستناد إليها استناد إلى الظن والمدعى خلافه فلو صح الاستناد إليها بطل ما ذكر من الدعوى على أن دلالتها على ذلك محل منع أيضا كما ستعرف الوجه فيه إن شاء الله الثالث ظواهر كثير من الأخبار منها الصحاح المستفيضة الدالة على أن عليهم عليهم السلام إلقاء الأصول وأن علينا التفريع عليها فقد رواه زرارة وأبو بصير في الصحيح عن الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام ورواه البزنطي في جامعه عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام ورواه البزنطي بنفسه عن الرضا عليه السلام إذ من البين أن تفريع الفروع على الأصول والقواعد لا تكون غالبا إلا على سبيل الظن إذ دلالة العمومات على حكم كل من الجزئيات المندرجة فيها إنما تكون في الغالب على سبيل الظهور دون التنصيص وأيضا كثير من التفريعات مما يختلف فيه الأنظار ويتفاوت الأفهام في إدراجها بحسب القواعد المقررة وكثيرا ما لا ينافي الحكم باندراج الفرع تحت أصل معين إلا على سبيل يندرج فيها المداليل الالتزامية المفهومة بتوسط الخطاب كدلالة الأمر بالشيء على الأمر بمقدمته ودلالة النهي على الفساد وكثير من دلالة المفاهيم ونحوها وقد يناقش فيه بالمنع من شمولها للتفريعات الظنية فلا يفيد المدعى ويمكن دفعها بأن قضية الأمر بالتفريع إثبات ما يتفرع على الكلام من الأحكام بحسب العرف وهو أعم مما لا يفيد العلم بالواقع هذا وقد أورد بعض المحدثين في المقام بأنه لا دلالة في الأخبار المذكورة على صحة الاجتهاد الظني في أحكام الله تعالى فإن مفادها الأخذ بالقواعد الكلية المأخوذة عن أهل العصمة كقولهم عليهم السلام