الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

478

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الحاصل في تلك المسألة فمع ثبوت انتفاء الفارق بينهما إلا في ذلك وعدم العبرة بما هو الفارق قطعا يتعين القول بحجية حكم المتجزي أيضا قوله فلا يحصل له ظن عدم المانع هذا الكلام يوهم كون القائل يمنع التجزي مانعا عن تحصيل الظن وقد عرفت وهنه جدا ضرورة إمكان حصول الظن لغير المطلق من غير إشكال ويمكن توجيهه بأنه مع قيام احتمال وجود المعارض في الأدلة لا بد من مراجعتها فلا يكون ظنه بانتفاء المانع قبل المراجعة حجة شرعا فإن ظن المجتهد إنما يكون حجة بعد المراجعة إلى الأدلة الشرعية دون ما إذا حصل من ملاحظة بعض الأدلة من غير استفاء لما يعارضه وما يحتمل ترجيحه عليه أو مساواته له وحينئذ فما ذكر في الجواب عنه من أن المفروض تحصيل جميع ما هو دليل في تلك المسألة بحسب ظنه لا يجدي في المقام فإن ذلك إنما يقضي بحصول الظن له وأما جواز الاعتماد على ذلك الظن من غير مراجعة إلى سائر الأدلة واقتداره على استنباط الأحكام منها فغير صحيحة والفرق بين ذلك والظن الحاصل للمجتهد المطلق الناظر في جميع الأدلة والعارف بوجوه استنباط الأحكام منها ظاهر وهل ذلك إلا نظير الظن الحاصل للمجتهد المطلق قبل ملاحظة جميع الأدلة واستفراغ وسعه في تحصيلها ومن البين أن الظن الحاصل له حينئذ بانتفاء المعارض لا حجة فيه غاية الأمر في الفرق بينهما أن المجتهد المطلق قادر على استيفاء الأدلة وهذا غير قادر عليه وهو غير مجد في المقام نعم يمكن الإيراد عليه بأنه لا يجب على المجتهد ملاحظة جميع الأدلة الشرعية القائمة على المسائل الفرعية في استنباط كل حكم بل لا بد من ملاحظة مظان الأدلة وذلك مما يمكن حصوله للمتجزّي أيضا وقد يمكن استيفاء جميع الأدلة من حيث استنباط الحكم المذكور عنها وعدمه وإن لم يقدر على استنباط سائر الأحكام عنها ومع الغض عن ذلك أيضا فقد يحصل للمجتهد القطع بكون ما حكم به هو مقتضى الأدلة الموجودة التي يمكن الوصول إليها بحسب العادة وقد يحصل له الظن بذلك وغاية ما يستفاد من الوجه المذكور عدم جواز اعتماد المتجزي على الظن الحاصل له كذلك وأما مع قطعه به كما يتفق ذلك في كثير من الأحكام أو قطعه بانتفاء ما يعارضه في سائر المقامات فلا وليس ما استفاده حينئذ قطعيا حتى يخرج عن محل البحث إذ لا ينافي ذلك كونه ظانا بالحكم الواقعي بل وشاكا فيه فتأمل قوله ولكن الشأن في العلم بالعلة أنت خبير بأن ذلك إن تم فإنما يتم فيما إذا قطع بكون الحكم مقتضى الأدلة الموجودة حسبما أشرنا إليه لكن التعويل في الاعتماد على الإجماع وقضاء الضرورة فبعد تسليمه إنما يفيد عدم قيام دليل على تعويله على ظن المتجزي ولا يفيد ذلك عدم تعويل المتجزي على ظنه وإن أراد أن تعويل المجتهد على ظنه هو من الجهتين المذكورتين فغير مسلم إذ الأدلة الدالة على حجية الأدلة الشرعية إنما تفيد حجيتها لكل من يقدر على الوصول إليها ويقتدر على استنباط أحكام منها والمفروض مساواة المتجزي للمطلق بالنسبة إلى المسائل الضرورية فلا وجه لسقوطها عن الحجية بالنسبة إليها مع إطلاق ما دل على حجيتها وعدم رجحان المجتهد المطلق عليه بالنسبة إلى تلك المسائل وقد يورد عليه أيضا بأن الباعث على التعويل بل على ظن المجتهد المطلق ليس منحصرا في ذلك بل العمدة فيه هو انسداد سبيل العلم بعد القطع ببقاء التكليف القاضي برجوعه إلى الظن وتقديمه على غيره بعد ثبوت عدم وجوب الاحتياط إما بعدم إمكانه في كثير من الصور أو لاشتماله على العسر والحرج العظيم المرجوح في هذه الشريعة السمحة المؤيد بجريان الطريقة من الأصحاب على خلافه حيث إن القول بوجوب الاحتياط الشاذ من الأصحاب بل لا قائل بوجوبه على الإطلاق وهذا كما ترى جاز في التجزي إذ بعد إمكان رجوعه إلى الظن لا وجه لرجوعه إلى التقليد الموهوم بعد ظنه بخلافه وقد عرفت ما فيه مما قررناه سابقا فلا يفيد القول به قوله وهو إجماع الأمة عليه وقضاء الضرورة به وقد يورد عليه تارة بما مرت الإشارة إليه من أنه لا إجماع في المقام على الرجوع إلى خصوص المطلق للاختلاف الظاهر بين الطائفة في اختيار طريقة المجتهدين أو الأخباريين والمتوسطين وقيام الإجماع على الرجوع إلى المطلق في الجملة في مقابلة المتجزي لا ينفع في المقام بعد الاختلاف المذكور وقد عرفت الجواب عنه فيما سبق وتارة بأن حصول الإجماع في هذه المسألة غير ظاهر إذ ظاهر أن هذه المسألة مما لم يسأل عنه الإمام عليه السلام فالعلم بالإجماع الذي يقطع بدخول المعصوم فيه بالنسبة وإلى ما يضاهيها من المسائل التي لم يوجد فيها نص شرعي مما لا يكاد يمكن كيف والعمل بالروايات في عصر الأئمة عليهم السلام للروايات بل وغيرهم لم يكن موقوفا على إحاطتهم بمدار الأحكام والقوة القوية على الاستنباط بل يظهر بكلامه بأدنى الاطلاع على حقيقة أحوال القدماء فلا معنى لدعوى الإجماع في المسألة وما ذكره من قضاء الضرورة به إن أراد به كونه بديهيا من غير ملاحظة أمر خارج فهو بديهي البطلان وإن أريد بداهته بعد ملاحظة أمر خارج وهو احتياج المكلف إلى العمل وانحصار الأمر بين الاجتهاد والتقليد فالبديهة تحكم بتقديم الاجتهاد فهو صحيح لكنه مشترك بين المطلق والمتجزي كذا ذكره بعض الأفاضل وهو موهون جدا إذ المناقشة في الإجماع المذكور عجيبة بعد وضوح اتفاق الكل على حجية ما فهمه المطلق من غير شائبة تأمل لأحد فيه كيف ولو لم يكن فهم المطلق حجة عند البعض لم يكن فهم المتجزي حجة عنده بالضرورة وفيه هدم للدين ولا بتوقف كشف الإجماع عن قول المعصوم على ورود النص بل يكفي فيه وجود الكاشف من قوله ولو بتوسط العقل على الأخبار المأثورة في الرجوع إلى العلماء والمشتملة على أمرهم بالرجوع إلى جماعة من فضلاء أصحابنا كثيرة بل قد يكون متواترة وجريان طريقة العوام في عصرهم في الرجوع إلى أهل العلم أمر ظاهر لا سترة فيه فقول الإمام عليه السلام وتقريره موجودان في المقام فكيف يتوهم عدم كشف الاتفاق من قول الإمام لخلق المسألة من الرواية فما ذكره من وضوح انتفاء السؤال عن المسألة إن أراد به عدم سؤالهم عن خصوص حجية فهم المجتهد المطلق فمسلم ولا يقع ذلك من كشف الاتفاق عن قول الإمام بعدم ورود ما يدل على الرجوع إلى العالم الشامل لذلك وإن أراد عدم ورود ما يدل على حجية فهمه وجواز الرجوع إليه فممنوع كيف ومن الظاهر خلافه وهو كاف في كشف الاتفاق عن قول المعصوم على مذاقه أيضا والحاصل أن المقصود رحمه الله من القدر المقطوع به المتفق عليه بين الكل هو حجية ظن المجتهد المطلق وما زاد عليه لم يتفق عليه اتفاق ولم يقم عليه دليل قاطع آخر فلا يصح الأخذ به مع انتفاء القطع بجوازه فلو نوقش في المقام فإنما يناقش في منعه من قيام القاطع على حجية ظن غيره لا في حجية ظنه فما ذكره من أن العمل بالروايات في عصر الأئمة عليهم السلام للرواة غير مرتبط بمنع الإجماع على جواز الرجوع إلى صاحب القوة القوية المحيطة