الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
477
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إلى الوجه المذكور مبني على جواز التقليد في مسائل الأصول كما أن مع عدم القول بجوازه لا يتم له الاحتياط بمراعاة ذلك فحينئذ نقول إنه إما أن يكون المتجزي قادرا على استنباط حكم التجزي أو لا وعلى الأول فإما أن يكون مرجحا لجواز التجزي أو لمنعه وعلى التقادير المذكورة فإما أن يكون من يرجع إليه قائلا بالتجزي أو مانعا منه فيجري فيه الاحتمالات الستة المتقدمة أيضا وإن كان عاجزا عن ترجيح مسألة التجزي تعين عليه الرجوع إلى المجتهد المطلق في جوازه ومنعه لوضوح وجوب التقليد عليه فيما لا يقدر على استنباطه فعلى الأول يأخذ بظنه وعلى الثاني يرجع إلى تقليد المجتهد في المسائل وإن كان قادرا عليه وكان قائلا بجوازه كالمجتهد الذي يرجع إليه فلا إشكال وإن كان من يرجع إليه قائلا بمنعه فلا مجال للاحتياط فيه على المجتهد كما هو الحال في عكسه بل يتعين فيهما الرجوع إلى أحد الوجهين المذكورين ولو كانا ناقلين بمنع التجزي تعين عليه الأخذ بالتقليد هذا كله مع إمكان الاحتياط في حقه على أحد الوجوه المذكورة وأما مع عدم إمكانه فإن كان مرجحا لجواز التجزي وحجية ظن المتجزي تعين عليه الأخذ به كتعين أخذه بالتقليد إذا كان مرجحا لعدمه وذلك لقضاء العقل بقيام الظن بتفريغ الذمة مقام العلم به بعد انسداد سبيله والمفروض حصوله بذلك ولو كان متوقفا في المسألة من غير ترجيح لأحد الجانبين تخير بين الوجهين ولا ترجيح حينئذ بين الأخذ باجتهاده نظرا إلى تحصيله الظن بالواقع لما عرفت فيما مضى من أن المناط أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة فينوب منابه الظن بالتفريغ بعد انسداد باب العلم به والمفروض عدم حصوله في المقام لتساوي الاحتمالين عنده في مقام الفقاهة فالرجوع إلى ظنه وإن كان راجحا من جهة تحصيل الواقع إلا أن رجوعه إلى ظن المجتهد المطلق أرجح من جهة أخرى كما لا يخفى والحاصل أن المفروض تساوي الاحتمالين في نظره بحسب التكليف فلا مناص له عن التخيير ومما ذكر يظهر ما في كلام بعض الأفاضل من أنه مع عدم تمكنه من الأخذ بالاحتياط يتخير بين العمل بظنه وتقليد المجتهد المطلق كما هو الحال في الخبرين المتعارضين لكن الأولى أخذه بما أدى إليه ظنه لرجحان القول به إذ مع رجحان القول بأخذه بظنه لا وجه لتخيير بينه وبين الوجه المرجوح لقطع العقل إذن بترجيح الراجح بعد القطع ببقاء التكليف وعدم إمكان الاحتياط وليس المانع من الأخذ بظنه من أول الأمر إلا أن تقدم الأخذ بالاحتياط على الرجوع إلى الظن فمع فرض عدم إمكانه وحصول الظن بكونه مكلفا شرعا بالأخذ بظنه لا وجه لجواز أخذه بالطرف المرجوح وكذا الحال لو ترجح عنده الرجوع إلى التقليد كما هو الحال في الخبرين المتعارضين إذا كان أحدهما على الآخر في إفادة ما هو المكلف به في ظاهر الشريعة نعم لو تساوى الاحتمالان في نظره تعين البناء على التخيير حسبما بيناه ومن ذلك يظهر ضعف ما في كلام بعض آخر من تعيين أخذه بظنه بعد انسداد سبيل العلم بالواقع أو مع الغض عن تكليفه أولا لمراعاة الاحتياط يرد عليه أن اللازم عليه مراعاة ما هو الراجح عنده في أداء التكليف دون ما يظن معه بأداء الواقع إذ قد يظن عدم أدائه التكليف الشرعي بالرجوع إلى ظنه أو يتساوى عنده الوجهان فلا وجه للترجيح مع تساويها بالنسبة إلى أداء التكليف فتأمل قوله بمعنى جريانه في بعض المسائل لما كان التفسير المذكور مشعرا بكون الكلام في جواز التجزي بحسب الفعلية وعدمه بأن يستفرغ وسعه في تحصيل بعض المسائل دون بعضها ولو كانت القوة والملكة تامة عقب ذلك بقوله بأن يحصل للعالم إلى آخره مقيدا بذلك كون التجزئة المذكورة لنقص الاقتدار على الاستنباط لا بمجرد عدم التصدي لاستفراغ الوسع في ذلك البعض فيكون محل الكلام على ظاهر كلامه في جواز تجزي القوة وعدمه وقد فرع عليه جواز الاستفراغ في ذلك البعض بمعنى حجية ظنه في ذلك وعدمه وأنت خبير بأن تقرير النزاع في جواز التجزي في نفس الاقتدار والقوة في كمال الضعف لوضوح جوازه كما مرت الإشارة إليه كيف والقوة على استنباط الكل مسبوق غالبا بالقوة الجزئية فإن الاقتدار على الجميع لا يحصل غالبا إلا على سبيل التدريج ثم مع البناء على جواز التجزي في القوة لا وجه لتفريع حجته على ذلك نعم قد يقال حينئذ بعدم حجية الظن له كما هو الظاهر من كلام المانعين والجواب عنه ما عرفت من أن المقصود من الاجتهاد في المقام هو الاستفراغ المعتبر عن أهل الشرع إذ هو المعنى المصطلح عندهم دون مطلق الاستفراغ وحينئذ يتجه تقرير النزاع في جواز التجزي بحسب القوة والملكة إذ القدر المعلوم الذي ليس قابلا للنزاع هو مجرد الاقتدار على تحصيل الظن ببعض المسائل دون البعض دون الاقتدار عليه على الوجه المعتبر وحينئذ يندفع عنه ما ذكر من عدم صحة التفريع المذكور لوضوح تفريع حجية ظنه على القول بقبوله للتجزي كما هو ظاهر العبارة ففي تعبير المصنف رحمه الله إشارة إلى ما ذكرناه وقد يجعل قوله يجتهد فيها أولا بيانا لمحل النزاع فيكون المقصود أنه بعد تحصيل ما هو المناط في الاجتهاد بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعضها هل يجوز الاجتهاد في ذلك البعض أو لا فليس المفروض في تقرير الخلاف في جواز تجزي القوة وعدمه بل في حجية ظن المتجزي وعدمها وهو بعيد عن ظاهر العبارة كما لا يخفى قوله وذهب العلامة رحمه الله إلى آخره وقد اختار ذلك جماعة ممن تأخر عن هؤلاء كشيخنا البهائي ووالده وصاحب الوافية وكشف اللثام واختاره أيضا جماعة من العامة منهم الرازي والتفتازاني وابن العماني وقد حكي القول عن المعظم قوله وصار قوم إلى الثاني وكأنهم من العامة إذ لم نجد في أصحابنا ممن تقدم على المصنف من صرح بالمنع منه قوله أنه إذا اطلع على دليل المسألة بالاستقصاء إلى آخره توضيح الاستدلال أن المناط في حجية ظن المجتهد المطلق في كل مسألة بعد استفراغ وسعه في الأدلة القائمة عليها هو اطلاعه على الأدلة الموجودة في تلك المسألة ووقوفه على وجوه دلالتها وما هو المناط في قوة الظن فيها على حسب وسعه وطاقته بحيث يحصل العلم أو الظن بانتفاء ما ينافيها والمفروض حصول ذلك للمتجزي إذ الكلام فيما إذا اطلع على الأدلة القائمة في المسألة التي اجتهد فيها على نحو المجتهد المطلق من غير فرق بينها سوى اقتدار المطلق على استنباط الحكم في غيره وعدم اقتداره أو اطلاعه على الأدلة القائمة في غيرها وعدم اطلاعه وهذا مما لا مدخل له قط في استنباط حكم هذه المسألة المفروضة ضرورة أن استنباط حكم المسألة إنما يتوقف على الأدلة القائمة عليه دون غيره فلا ربط له بحجية ظنه