الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

466

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الأدلة أو لعدم استحضار الدليل أو لاحتياجه إلى التفاوت أو نحو ذلك كذا ذكر الشارح الجواد وأنت خبير بأن قوله فعلا أو قوة قريبة إما أن يكون قيدا للاقتدار أو للاستنباط فعلى الأول يكون المقصود تعميم الاقتدار للصورتين وحينئذ فشموله لما كان الاستنباط حاصلا بالفعل لا يخلو عن خفاء إذ لا قدرة بعد حصول الفعلية وقد يدرج إذن في القوة القريبة إذ تلك الحالة الحاصلة من شأنها أن يقتدر بها على تحصيل الحكم من غير فرق بين حصول الفعلية وعدمه غاية الأمر أن لا يصدق الاقتدار فعلا بعد حصول الفعلية فتلك الشأنية حاصلة وعلى الثاني يكون المقصود به بيان أنه ليس المراد بالملكة في المقام مجرد القوة القريبة المقابلة للفعلية بل المراد بها الحالة التي يتسلط بها على استنباط المسائل سواء كان الاستنباط حاصلا بالفعل أو لا ثم إن ظاهر الحد المذكور يعم ما لو كان استنباط الحكم على سبيل العلم أو الظن وهو ينافي ما نص عليه من خروج القطعيات عن الفقه معللا بأنه اجتهاد فيها ويدفعه أن إخراج القطعيات إنما يتصور بالنسبة إلى إطلاقه الأول وأما بالنظر إلى الإطلاق المذكور فلا إذ الملكة التي يقتدر بها على كل من الأمرين شيء واحد فلذا لم يؤخذ فيه خصوص الظن ويشكل بأن اتحاد المبدإ للأمرين لا يقضي بجواز الإطلاق في الحد نظرا إلى اختلاف الحيثية والاجتهاد بناء على ما ذكر إنما هو ملكة الاستنباط الظني دون العلمي وكان الأظهر أن الاجتهاد بالنسبة إلى المعنى المذكور لم يؤخذ فيه الظن إذ المقصود به مطلق الاقتدار على استنباط المسائل في مقابلة مقلد الغير القادر عليه سواء كان استنباطه ذلك بطريق القطع أو الظن بخلاف إطلاقه على المعنى الأول فإنه كما لا يقع من المقلد كذا لا يحصل من المجتهد أيضا بالنسبة إلى المسائل المقطوع بها ولذا يقال المسائل الاجتهادية بالمسائل القطعية والاجتهاد بهذا المعنى يساوق الفقاهة وإن اختلفا في الأخبار وقد يقال بأن اعتبار الاجتهاد على الوجه المذكور أعم صدقا من الفقاهة لإمكان حصول الملكة المذكورة من دون علم بالفعل بشيء من المسائل الفقهية وهو متجه إن اعتبرنا في صدق الفقاهة حصول الفعلية بقدر يعتد به كما هو الأظهر حسبما مر وإن اكتفينا بمجرد حصول القوة القريبة لاستنباط الأحكام عن الأدلة فلا يتجه ذلك وقد يقال بناء على الأول باعتبار الفعلية كذلك في صدق الاجتهاد أيضا نظرا إلى مساوقة لفظ المجتهد للفقيه بحسب إطلاقاتهم فمن يعتبر ذلك في صدق الفقيه لا بد أن يعتبره في صدق المجتهد أيضا فعلى هذا يشكل الحال في التحديد المذكور أيضا ثم إن الظاهر الحد المذكور يعم الاجتهاد المطلق وغيره وهو بناء على جواز التجزي لا إشكال فيه وأما بناء على المنع منه فيشكل الحال فيه فإن الظاهر بناء على القول المذكور عدم استفراغه فيما يقدر على استنباطه من المسائل ولا ملكة التي يقتدر بها على ذلك اجتهادا في الاصطلاح كما ينبئ عنه بغيرهم عن تلك المسألة بأن الاجتهاد هل يقبل التجزئة أم لا والقول باندراجه في الاجتهاد وإن لم يعقل به بناء على القول بعدم التجزي خروج عما يقتضيه ظاهر الإطلاقات كما لا يخفى هذا وللاجتهاد إطلاق ثالث وهو أن يراد به استنباط حكم المسألة عما عدا النص من الأمارات الظنية ومنه ما يقال في مقام رفع بعض الاستنباطات الظنية إنه اجتهاد في مقابلة النص وقد يحمل عليه ما في الذريعة في تعريف الاجتهاد من أنه عبارة عن إثبات الأحكام الشرعية بغير النصوص بل بما طريقة الأمارات والظنون وكأنه المراد بما ورد من ذم الاجتهاد وعدم جواز البناء عليه في استنباط الأحكام وبما ذكره علماء الرجال من تصنيف بعض قدمائنا كتابا في الرد على الاجتهاد حيث إن المناط في استنباط الأحكام الشرعية عندنا هو النص وما بمنزلته دون سائر الأمارات والاعتبارات التي يبنى عليها الاجتهاد بالمعنى المذكور قوله وقد اختلف الناس في قبوله للتجزية إلى آخره اعلم أن كلا من الاجتهاد بمعنى الملكة والفعل إما أن يكون هناك استنباط جميع المسائل مع حصول الفعلية كذلك ونعني بإطلاق حصول الفعلية أن يكون مستفرغا لوسعه في المسائل المعروفة المدونة مما يعد عنه عادة عرفا بمسائل الفقه لا جميع ما يمكن تصويره من المسائل لعدم تناهيها وامتناع إحاطة القوة البشرية بها وإما أن يكونا جزءين أن يكون القوة تامة كلية على الوجه المذكور والفعلية ناقصة جزئية وأما العكس فغير متصور غالبا فيمكن تصويره فيما إذا استنبط الحكم في المسائل المشكلة بمعادل من إسناد ونحوه من غير أن يقتدر نفسه على الاستنباط بخلاف غيرها من المسائل فالأول اجتهاد مطلقا من غير إشكال كما أن الثاني تجزي كذلك وأما الثالث فالذي قطع به غير واحد من الأفاضل أنه أيضا من الاجتهاد المطلق نظرا إلى أن تجزي الاجتهاد وإطلاقه إنما يعقل بالنسبة إلى القوة والملكة وأما بالنسبة إلى الفعلية فلا يعقل فيه إلا التجزي إذ لا يتصور إحاطة الاجتهاد بجميع المسائل لعدم تناهيها وفيه أنه إنما يتم ذلك إذا أريد بإطلاق الفعلية هو إطلاقها بالنسبة إلى ما يمكن تصويره من المسائل وأما لو أريد به المسائل المعروفة المدونة حسبما ذكرنا فلا ومن البين أنه مع علمه بتلك المسائل يعد عالما بحسب العرف بمسائل الفقه بل الظاهر الاكتفاء في صدقه بما دون ذلك أيضا فيما إذا كان عالما بقدر يعتد به من تلك الأحكام حسبما مرت الإشارة ومع الغض عن ذلك فقد يناقش في امتناع الاجتهاد في جميع المسائل نظرا إلى إمكان استفراغ الوسع فيها على سبيل الكلية والاندراج تحت القاعدة وإن لم يتصورها بخصوصها فما ذكر من عدم تناهي المسائل والفروع المتجددة إنما يفيد امتناع استعلامها واستفراغ الوسع فيها على سبيل التفصيل وبعنوان مستقل وملاحظة خاصة دون ما إذا أريد ذلك بعنوان كلي على سبيل الإجمال في الملاحظة فتأمل وسيجيء تتمة الكلام في ذلك إن شاء الله ومن الغريب أن بعض من حكينا عنه القطع بذلك في المقام قد نص في أول المسألة بخلاف ذلك حيث قال لا شك في جواز الأخذ من العالم إذا كان عالما بكل الأحكام أو ظانا لها من الطرق الصحيحة وهو المسمى بالمجتهد المطلق والمجتهد في الكل وأما جواز الأخذ عن الظان ببعضها من الطرق الصحيحة وهو المسمى بالمتجزي ففيه خلاف انتهى ملخصا وهذا كما ترى ظاهر جدّا في تقريره النزاع بملاحظة الفعلية دون مجرد القوة والملكة وقد يؤول بعيدا بما يرجع إلى الأول ثم إن في المقام وجوها ثلاثة أخرى أحدها أن يحصل الاقتدار على استنباط جميع المسائل من دون استفراغ