الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

467

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الوسع في تحصيل شيء منها فيكون القوة التامة والفعلية منتفية بالمرة ثانيها أن يحصل الاقتدار على استنباط بعض المسائل خاصة مع عدم استفراغ الوسع في تحصيله فالقوة ناقصة والفعلية منتفية أيضا ثالثها أن يتحقق هناك استنباط بعض المسائل من غير أن يكون للمستنبط ملكة في الاستنباط وإنما حصل له ذلك على سبيل التكلف والتعسف أو تبعهم الغير وإعانته في بيان الأدلة وإبداء وجوه الاستنباط بحيث حصل له الاطمئنان باستيفاء الأدلة ووجوه دلالتها على حكم المسألة فهناك فعلية ناقصة من دون حصول القوة والملكة فتحصل مما ذكرنا أن الوجوه المتصورة في المقام ستة لا إشكال في الوجه الأول منها وهو ما لو كانت الملكة تامة مع حصول الفعلية كذلك على الوجه المذكور والظاهر الاكتفاء في حصول الفعلية بما يعدها معها عالما بالأحكام الشرعية وذلك بأن يعلم جملة وافية من الأحكام ويستنبط قدرا يعتد به من أبواب الفقه وإن لم يكن عالما بالفعل بخصوصيات جميع المسائل المدونة على سبيل الاستغراق الحقيقي وأما من سوى ذلك ففي كونه مكلفا معه بالرجوع إلى الأدلة الشرعية أو إلى تقليد غيره تأمل وإشكال إلا أن إدراج جميع تلك الوجوه في التجزي غير ظاهر والقدر المتيقن منه هو ما لو كان كل من القوة والفعلية ناقصة وإن كان الظاهر شموله ببعض الوجوه الأخر أيضا كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله ثم إن الخلاف في المسألة التجزي يمكن أن يكون في مقامين أحدهما أن يقع النزاع في إمكان حصول التجزي وعدمه بأن يحصل للعالم ملكة الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض إن قرر النزاع في الملكة وبأن يستفرغ الوسع في تحصيل الظن ببعض المسائل دون بعضها إن اعتبر الخلاف بالنسبة إلى الفعلية ثانيهما أن يقرر الخلاف في الحجية بعد تسليم أصل التجزي وقد يتخيل في المقام عدم تعقل الخلاف في المقام الأول لوضوح إمكان التبعيض في القوة ضرورة اختلاف مسائل الفقه في الوضوح والغموض ومن البين أن ملكة استنباط الجميع لا تحصل دفعة بل على سبيل التدريج إذ ملكة استنباط المسائل الظاهرة تحصل بأدنى ممارسة بخلاف الغامضة ويلزم من ذلك إمكان تحصيل الظن ببعض المسائل دون البعض فهو مع غاية وضوحه في نفسه ظاهر بالبيان المذكور كيف ولولا ذلك لما أمكن تحصيل الظن بشيء من المسائل لتوقف تحصيل الظن بكل منهما على تحصيل الظن بالآخر وهو دور ظاهر وأنت خبير بأن شيئا مما ذكر لا ينافي وقوع الخلاف فيه غاية الأمر أن يكون الخلاف فيه ضعيفا ساقطا كيف وصريح كلام بعضهم وقضية بعض أدلتهم المذكورة في المسألة وقوع الخلاف في كلا المقامين بعد نص بعضهم بأن الظاهر إمكان التجزي في القوة والملكة غير معقول وكان الوجه فيه أن مسائل الفقه كلها من قبيل واحد لاشتراكها في معظم المقدمات والاحتجاج عليها يكون بسياق واحد فإن بلغ المستدل إلى حيث يتمكن من إجراء الأدلة وتفريع الفرع على الأصل يصح له ذلك في الجميع وإلا لم يصح له في شيء منها والحاصل أن القوة الباعثة على الاقتدار على تحصيل تلك المسائل أمر واحد يختلف أعمالها بحسب اختلاف المسائل فلا يعقل فيها التجزي والتبعيض وقد احتجوا على المنع من التجزي بأن كل ما لا يقدر على استنباطه من جهله به يجوز تعلقه بالحكم فلا يحصل له ظن بعدم المانع من الحكم بمقتضى ما وصل إليه من الأدلة وهو كما ترى يعطي المنع من تحصيل الظن من أصله وهو عدم حصول الاجتهاد قبل تحصيل الجميع إذ لا بد في الاجتهاد من استنباط الأدلة الموجودة ولو ظنا ولا يحصل ذلك حيث ما ذكر بغير المجتهد المطلق وهذان الوجهان وإن كانا في غاية الوهن والركاكة إلا أنهما مذكوران في كلامهم وقضية الأول المنع من تجزي الاجتهاد بمعنى الملكة وقضية الثاني المنع من تجزي الفعلية وعدم إمكان انفكاك الظن ببعض المسائل عن بعض آخر فالظاهر وقوع الخلاف في كل من المقامين المذكورين إلا أن الخلاف في المقام الأول في غاية الضعف والسخافة قال الشيخ سلمان البحراني في العشرة الكاملة إن فرض التجزي بمعنى الاقتدار على بعض المسائل دون بعض على وجه يساوي استنباط المجتهد المطلق أمر جائز بل واقع والمنازع فيها يكاد يتحقق نزاعه بالمباهتة والمكابرة إلى آخر ما ذكر فحق الخلاف أن يقرر في المقام الثاني والظاهر أنه ملحوظ الجماعة في البحث عن التجزي وإن عنونوا المسألة بقبول الاجتهاد للتجزي الظاهر إرادة المقام الأول إلا أن الظاهر الملحوظ بالبحث هو اعتبار الحجية دون حصول المظنة حيث إن الاجتهاد بحسب الاصطلاح كما عرفت أنما يطلق حقيقة على استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية بحيث يترتب عليه أمر في الشريعة في جواز الأخذ بمؤداه أو الرجوع إلى الأصول الفقهية مع عجزه حينئذ من تحصيل المظنة وأما مجرد تحصيل الظن بالأحكام عن ظواهر الأدلة فمما يمكن حصوله لغير البالغين إلى درجة الاجتهاد مطلقا مع عدم عده من الاجتهاد قطعا وإن اعتبروا في حده أن يكون الاستفراغ المذكور من الفقيه حسبما مر الكلام والتوقف في المقام الأول من الشهيد في الألفية وشيخه فخر الإسلام والسيد العميدي ليس في محله ولا يبعد تنزيل ما ذكروه على المقام الثاني بالتقريب الذي بيناه فظهر بما قررناه أن مآل الحكم بقبول الاجتهاد المتجزي وعدمه والحكم بحجية ظن المتجزي وعدمه أمر واحد ولذا وقع التغيير في معظم كلماتهم بالأول مع أن الملحوظ في المقام كما عرفت هو الثاني ومنه يظهر ضعف ما استشكل في المقام من أن المانعين من التجزي إن اعتبروا في الاجتهاد كما هو ظاهر العنوان ملكة استنباط جميع المسائل فإن كان ذلك لجواز العمل به لم يخل عن وجه لكن ذلك كلام في الحجية لا في أصل حصول الاجتهاد كما هو ظاهر العنوان وإن كان ذلك لنفس تحقق الاجتهاد فلا يظهر وجهه إذ الاجتهاد ليس إلا الظن بالمسألة بعد استفراغ الوسع في أدلتها وهو غير متوقف على الاقتدار على الجميع استنباط غيرها والقول بأن القائل بعدم التجزي لا يسمى الاقتدار على استنباط بعض المسائل اجتهادا بل يعتبر في التسمية الاقتدار على الجميع لا يرجع إلى طائل فإنه بحث لفظي لا فائدة فيه مع أن المعظم قائلون بجواز التجزي فهم حاكمون بصدق الاجتهاد حينئذ والمعاني الاصطلاحية إنما ثبت بقول الأكثر وإن اعتبروا في تحقق الاجتهاد العلم بجميع أدلة المسألة وهو غير حاصل للمتجزي فهو منقوض بالمطلق بعدم حصوله بالنسبة إليه أيضا إذ اقتضاء حصول الظن بذلك وانعقاد الإجماع على تنزيل ظنه منزلة العلم دون غيره لا يفيد في المقام بأن ذلك