الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
457
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
قضية الجزئية اندراجه في الكل وعدم تحقق الكل بدون تحقق كل من الأجزاء فالشك في الجزء شك في تحقق الكل وبالجملة أن كل واحد من الأجزاء لاندراجه في الموضوع له مما أنيط به التسمية فلا يتصور حصول الموضوع له بدونه فلا يمكن العلم بإيجابه من دون الإتيان به وذلك بخلاف الشرائط والموانع لخروجها عن ماهية العبادة والقول بأن الشغل اليقيني يحتاج إلى اليقين بالفراغ ولا يحصل إلا بالإتيان بما لم يعلم عدم شرطيته وترك ما لم يعلم عدم مانعيته مدفوع بأن ذلك إنما يجري بالنسبة إلى الأجزاء لدخولها في المسمى بخلاف الأمور الخارجية من الشرائط والموانع لأن المشكوك في شرطيته ومانعيته معلوم عدم جزئيته فلا دخل له بمسمى اللفظ فامتثال الأمر بالصلاة وغيرها من العبادات إنما يتوقف على التعيين بحصول الأجزاء ومع تحقق حصولها يصدق المسمى ومعه يحصل الامتثال القاضي بحصول الفراغ شرعا ما لم يدل دليل على خلافه على نحو ما يذكر في المعاملات وهو المراد باليقين بالفراغ إذ المقصود منه هو الفراغ الشرعي وما يقال من أن الشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط ففيه أن العبارة المذكورة لا تخلو عن إجمال وهي على بعض معانيها لا كلام فيها لكنه غير مرتبط بالمقام توضيح ذلك أن المراد بالشك إما الشك في وجوده أو في شرطيته وكذا الشك في المشروط إما أن يراد به الشك في وجوده أو مشروطيته فإذا لوحظ كل من الاحتمالين الأولين مع كل من الأخيرين تكون الوجوه أربعة فإن أريد به أن الشك في وجود الشرط يقتضي بالشك في وجود المشروط فحق ولا ربط له بالمقام وإن أريد به أن الشك في الشرطية قاض بالشك في المشروطية فهو واضح أيضا ولا نفع له في المرام إذ الحاصل منه هو الشك في مشروطية الفعل به لا الشك في وجوده كيف والمفروض تحقق الأجزاء بأجمعها ومع العلم به كيف يعقل الشك في نفس وجود المشروط الذي هو عين تلك الأجزاء وأما الوجهان الآخران فلا وجه لإرادتهما إذ لا ارتباط بين الشكين المفروضين حتى يستلزم أحدهما الآخر قلت هذا الكلام المذكور على كون أجزاء المأمور بأجمعها معتبرة في التسمية بحيث يرتفع المسمى بارتفاع أي منها كما هو قضية الجزئية في بادي النظر نظرا إلى قضاء الضرورة بانتفاء الكل عند انتفاء جزئه فإذا تعلق الشك بجزئية شيء كان شكا في حصول الكل بدونه فلا يعلم حصوله مسمى اللفظ من دونه بخلاف الشرط والمانع لإحراز المكلف أداء المسمى عند أداء الأجزاء بتمامها فإذا علم شرطية شيء أو مانعيته وجب التزام التقييد في المطلوب على القدر المعلوم وإذا حصل الشك فيه رفع ذلك بالأصل لقضاء الإطلاق بحصول الامتثال من دونه وأنت خبير بأن مرجع ذلك إلى القول بكون تلك الألفاظ أسامي للصحيحة بحسب الأجزاء دون الشرائط فاستجماع جميع الأجزاء معتبر عنده في التسمية بخلاف استجماع الشرائط حسبما مر تفصيل القول فيه في محله وهو أضعف الوجوه في تلك المسألة ومع البناء عليه فهو يوافق ما اخترناه من عدم إجراء الأصل في المجملات فإن مقتضى القول المذكور الالتزام بالإجمال في تلك الألفاظ بالنسبة إلى الأجزاء دون الشرائط بل هي مطلقة بالنسبة إليها لتوهم قضاء الدخول والخروج بذلك وحينئذ فجريان الأصل بالنسبة إلى الثاني في غير البيان وإنما الكلام في المقام في جريانه بالنسبة إلى الأول نظرا إلى إجمال اللفظ وقد منع منه القائل المذكور حسبما اخترناه ولو سلم القائل المذكور إجمال اللفظ بالنسبة إلى الشروط أيضا لم يتحصل عنده المفهوم الذي تعلق الأمر به مع الشك في حصول جميع الشرائط المعتبرة فيه فلا يمكنه الحكم بالامتثال بغير ما ذكره في الأجزاء من غير فرق أصلا القول في بيان الحال في شبهة الموضوع والمراد به ما إذا اشتبه موضوع الحكم ودار الأمر فيه بين تقسيم الحلال والحرام وإن علم تفصيلا حكم تلك الأقسام فيكون الجهل بالحكم في المقام ناشئا عن الجهل المذكور حيث لا يعلم كون الحاصل هناك أي قسم منها وأما إذا كان الحكم بعكس ذلك بأن تعين الموضوع بجميع خصوصياته لكن شك مع ذلك في اندراجه في الحلال والحرام من جهة الشك فيما أنيط به الحل والحرمة في الشريعة كالمذبوح على غير القبلة أو من دون التسمية فإن الفعل الحاصل من المكلف حينئذ مما لا شبهة فيه إنما الاشتباه في حكمه فالشك حينئذ في اندراجه تحت الميتة أو المذكى مع العلم بحكم كل من القسمين لا يدرجه في شبهة الموضوع وإن كان يتراءى في بادي الرأي ثم إن الشبهة في الموضوع قد يكون من جهة الشك في طرء ما يقتضي تحريمه على الوجوه المفروضة كما إذا شك في طريان الغصب على مال الحلال أو طريان النجاسة على المأكول أو الطاهر أو طرء ما يقتضي بإباحته بعد العلم بتحريمه أو لا كالمغصوب إذا شك في زوال الغصب عنه أو النجس إذا شك في طهارته وقد يكون الجهل بالمصداق بدورانه بين الاندراج في النوع الحلال أو الحرام مع عدم العلم بحصول النوعين في المقام بل بدوران الأمر ابتداء في الفرد الحاصل بين الوجهين كما إذا شك في كون المرأة رضيعة يحرم عليه نكاحها أو أجنبية يجوز له التزويج لها أو وجد لحما ولم يدركونها ميتة أو مزكاة أو دار بين كونه من الحيوان المأكول أو غيره أو رأى حيوانا وشك في اندراجه في النوع الحلال أو الحرام وقد يكون من جهة الجهل بتعيين الحلال والحرام وقد يكون من جهة امتزاج الحرام بالحلال واختلاطه بحيث لا يمكن التمييز على نحو اختلاط الدبس والمائع المغصوب بالمباح وكذا السمن والطحين والسويق بل الحنطة ونحوها وقد يكون من جهة اشتباه الفرد الحلال بالحرام عند حصولهما معا وعدم تمايزهما في المقام مع الجهل بالتعيين كالإناءين المشتبهين عند العلم بنجاسة أحدهما والدرهم الحلال المشتبه بالحرام إذا علم حرمة أحدهما وحلية الآخر ولحم الميتة والمزكاة عند اشتباه أحدهما بالآخر وحينئذ قد يكون الأمور المردد بينها محصورة محدودة وقد يكون غير محصورة فهذه صور المسألة إلا ما إذا كان الشبهة من جهة طريان ما يزيد الحكم الثابت من الحل أو الحرمة فلا ريب حينئذ في البناء على الحكم الأول حتى يثبت خلافه سواء كان الثابت أو لا هو الحل أو الحرمة من غير خلاف بين الأصولية والأخبارية فإن حجية الاستصحاب فيه متفق عليه بين الفريقين ولا مجال لتوهم الحمل في الصورة الثانية نظرا إلى عدم حصول اليقين بالحرمة حينئذ إذ مجرد الاستصحاب لا يفيد العلم وقد أنيط الحكم بالتحريم في الرواية المذكورة بعد الدوران بين الحل والحرمة بالعلم بالحرمة الظاهر في اليقين فيحكم بالحل من دونه إذ المراد من العلم في الشرعيات هو العلم الشرعي أعني ما حصل من الدليل المعتبر عند الشارع سواء أفاد اليقين بالواقع أو لا حسب ما يقول بمثله في مسألة الاستصحاب كما سيجيء بيانه ومع