الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

458

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الغض عن ذلك فما يحكم بالحل في الرواية مغيّا بعدم العلم بالتحريم وبعد العلم به لو حصل انعدم الشك أو الظن بالحل فلا دلالة في الرواية على الحكم بحله أصلا فيستصحب التحريم حينئذ من دون معارض ولو كان مما توارد عليه الحالان ولم يعلم تقدم أحدهما وتأخر الآخر ليؤخذ بمقتضاه ففي جريان القاعدة المذكورة فيه نظر إلى عدم العلم بالحرمة فيؤخذ بالحل إلى أن يعلم التحريم وعدمه نظرا إلى حصول العلم بحرمته بالخصوص في الجملة فيخرج عن مورد النص المذكور وجهان وقد يؤيد الأول عمومات الحل وكأنه أظهر وإن كان من الثاني أعني ما إذا دار الأمر في المصداق بين الوجهين وإن كان هناك قاعدة شرعية قاضية بالحل كيد المسلم وإخبار ذي اليد القاضي بالحل أو الطهارة فلا إشكال أو بالمنع كإخباره بحرمته أو نجاسته وكأصالة عدم التزكية بالنسبة إلى اللحوم والجلود ونحو ذلك قضى بالمنع وإن خلا من الأمرين فظاهر الرواية المذكورة قاضية فيه بالحل بل لا يبعد أن يكون ذلك هو مورد الرواية كما سنشير إليه ولو وجد حيوانا وشك في كونه من جنس المأكول أو غيره فهل يحكم بمجرد ذلك بحله أو لا بد من استعلام الحال في اندراجه في أحد الأصناف المحللة أو المحرمة بالرجوع إلى أهل الخبرة والعلامات المنصوبة من الشرع وكذا الحال في غير الحيوان من المأكول والمشروب الدائر بين المباح والمحرم وجهان والذي يتقوى في النظر أن يقال إن كان ذلك معلوم العين وكان مجهول الاسم أو مجهول الصفة التي به تميز الحلال من الحرام فيشك في شأنه تلك الجهة فلا يبعد من كونه من الجهل بالحكم فيجب عليه التجسس ولا يجوز عليه البناء على الحل بمجرد الجهل المفروض نظرا إلى الأصل المذكور وهل يجوز له البناء على الحل مع العجز عن التجسس وجوه ثالثها التفصيل بين المجتهد وغيره وأما إذا كان الموضوع غير معلوم العين وكان دائرا بين الأمر المحلل والمحرم فالظاهر اندراجه تحت الأصل المذكور فلا يجب التجسس عنه فعلى هذا يجوز تناول المعاجين ونحوها من المركبات التي لا يعرف أجزاؤها قبل التفحص عنها والمعرفة بحالها وإن احتمل أن يكون بعض أجزائها مما يحرم أكله هذا وما ذكر من الحكم بحل المشتبه في هذه الصورة ظاهر بالنسبة إلى الحكم بحله في نفسه وأما بالنسبة إلى حله في العبادات إذا دار الأمر بين المنع من التلبس فيها نظرا إلى الاحتمال منافاته له وعدمه وفيه وجهان وذلك كالجلد الدائر بين كونه من مأكول اللحم وغيره أو الشعر الملاصق للباس الدائر بين الأمرين فيحتمل اندراجه في إطلاق الرواية المذكورة فيبنى فيه أيضا على الحل والجواز حتى يتبين الخلاف ويحتمل انصراف الرواية إلى حل الشيء وحرمته في نفسه دون كونه مانعا من صحة عمل آخر وعدمه وكما أن الأصل المذكور في العبادات المجملة عند الدوران بين جواز فعل فيها وعدمه بحسب الحكم هو البناء على المنع حسبما عرفت مراعاة الاحتياط نظرا إلى العلم بحصول التكليف والشك في أداء المكلف به كذا الحال في صورة الشك الحاصل في الأداء من جهة الموضوع بل لا يتفاوت الحال في الشك المفروض بين العبادات المجملة وغيرها إذ لا ثمرة للإطلاق بالنسبة إلى الشك الحاصل في أداء الشيء المعين أو الإتيان به لقضاء اليقين بالاشتغال في مثله اليقين في الفراغ مطلقا وقد يفصل في المقام بين ما إذا كان الشك المفروض قاضيا بالشك في أدائه شرط من شروط العبادة كما إذا لم يدل كون اللباس منسوجا من صوف المأكول أو غير المأكول وأراد ستر العورة الواجبة في الصلاة به وما إذا تعلق الشك بوجود المانع كما إذا أراد لبس الثواب المفروض في الصلاة في غير ستر العورة والفرق أن المقتضى للصحة غير ثابت في الأول للشك في وجود الشرط القاضي بالشك في وجود المشروط فيبقى التكليف بحاله إلى أن يتحقق العلم بالفراغ بخلاف الثاني لوجود المقتضي هناك غاية الأمر احتمال وجود المانع وهو مدفوع بالأصل ويشكل ذلك بأن يرجع المانع إلى الشرط فإن عدم المانع شرط في الصحة وحينئذ مما يشك فيه أيضا قاض بالشك في وجود المشروط به كغيره من الشروط الوجودية وقد يدفع بأنه وإن كان مرجع المانع إلى الشرط إلا أن الملحوظ في الشرط وجود الشيء وفي المانع عدمه فتحقق الأول مخالف للأصل بخلاف الثاني وكفي فارقا بين المقامين ألا ترى أنه لو شك في تحقق الحدث في الصلاة بني على عدمه ولو شك في تحقق الطهارة والاستقبال بني على عدمها أيضا وقد يشكل ذلك بالفرق بين ما إذا دار الأمر بين وجود الشيء المانع وعدمه وبين وجود الشيء والشك في مانعيته كونه هو الأمر المانع أو غيرها فإنه لا شك في دفع الأول بالأصل وأما الثاني فدفعه بالأصل مشكل لاحتمال أن يكون ذلك هو ما اعتبر عدمه في تحقق المطلوب وأن يكون غيره ونسبة الأصل إلى الأمرين على وجه واحد بل قد يقال إن قضية الأصل هنا أيضا هو الأول نظرا إلى أن حصول الاشتغال بأداء المأمور به معلوم والخروج عنه غير معلوم فيبنى على عدمه نعم لو كان هناك أصل يقضي بانتفاء المانع صح الإشكال عليه كما لو شك في الشعرات الملصقة بالثوب أنها من المأكول أو غيره فإنه يمكن أن يقال إن الصلاة في الثوب المفروض قبل حصول الشعرات فيه كانت صحيحة فيستصحب ذلك إلى أن يعلم المنع هذا كله إذا كان تحريم الشيء في المقام على وجه المانعية أما إذا لم يكن مانعا بل كان دائرا بين الإباحة ومجرد التحريم وإن تبعه المانعية فلا شك في كون الأصل فيه أيضا عدم التحريم كما في الصورة السابقة يندفع المانعية من جهة نفي التحريم ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا بين العبادة المجملة وغيرها من المطلقات إذ المفروض ثبوت المانعية غاية الأمر دوران الشيء بين كون ذلك المانع أو غيرها وأما ما كان من الثالث أعني ما كان الحرام ممن جامع الحلال على نحو لا يمتاز أحدهما من الآخر فلا إشكال في تحريم استعمال الجميع إذ استعمال كل جزء من المباح استعمال الجزء من الحرام المنضم إليه وفي بعض صور المسألة يحصل الإشاعة والشركة القهرية فيكون استعمال المباح استعمالا للحرام نعم في بعض صور امتزاج الحرام يحكم بالحل كما إذا استهلك الحرام الطاهر في الماء أو كان نجسا ولم يتنجس به الماء لاعتصامه وعدم تغير أحد أوصافه فإن الظاهر حله وإن كان عينه موجودا بحسب الواقع وتوضيح الكلام في ذلك أن حرمة المحرم قد يتبع اسمه كالطين فإن خرج بالامتزاج عن اسمه كاستهلاك الطين في الماء أو غيره انتفي التحريم وكذا لو دار مدار الوصف ينتفي بالامتزاج كالاستخباث في وجه وإن كان دائرا مدار حقيقته فإن حصل استهلاكه في الماء على الوجه المذكور قضى بحله لما دل على طهارة الماء وطهوريته وأما الاستهلاك في غير الماء من الجوامد فلا يقضي بالحل وفي سائر المائعات إشكال ويقوى البناء على التحريم في غير المضاف هذا كله إذا لم يكن التحريم من جهة كونه ملك الغير أما إذا كان من جهة كونه ملكا للغير فالظاهر عموم