الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

444

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

العقلي بقول مطلق أما لو أريد المعنى الأخص وهو الفطري الخالي عن شوائب الأوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام وإن شذ وجهه بين الأوهام ففي ترجيح النقلي عليه إشكال القول في أصالة النفي وهي أصالة عدم أمر وجودي حتى يتبين الخلاف وهي أقسام إذ ذلك الأمر الوجودي إما أن يكون تكليفا بالفعل أو بالترك أو يكون شيئا آخر غير الأمرين المذكورين وإن استتبع أحدهما كسائر الأحكام الوضعية ويطلق على الأولى أصالة البراءة وعلى الثاني أصالة الإباحة وعلى الثالثة أصالة العدم وقد يعم الأخير الوجوه الثلاثة وقد يعم الأولى الثانية لكون الحظر تكليفيا ولا مشاحة في الاصطلاح ثم الأصل فيها هنا قد يؤخذ بمعنى الاستصحاب والظاهر بعد صحة إطلاق الأصل عليه بالخصوص عدم إرادته في المقام لكونه دليلا برأسه مغايرا لأصالة البراءة والإباحة كما سيظهر الوجه فيه وقد يؤخذ بمعنى الراجح كما نص عليه جماعة ويضعفه بعد القطع بعدم كونه حقيقة فيه كما يعرف من عدم اطراده في الاستعمال بل والتأمل في ثبوت استعماله فيه كما يظهر من ملاحظة الإطلاقات والمثال المذكور في كلامهم غير متعين الحمل عليه أنه ليس المناط في حجية الأصل المذكور حصول الظن كما يوهمه كلام بعضهم لما هو معلوم من الاحتجاج به في محل الشك والوهم أيضا وبالجملة فما لم يقم دليل شرعي على خلافه فتخصيصه بصورة الظن مما لا وجه له والقول بأن المقصود رجحان العدم في نفسه بمعنى أن الراجح في نظر العقل من الوجود والعدم هو العدم ومن التشغل والبراءة هي البراءة إلى غير ذلك فلا ينافيه حصول الظن بخلافه من الخارج مدفوع بأن في الرجحان فيه حينئذ يكون شأنيا لا فعليا وهو مخالف لظاهر اللفظ مضافا إلى أنه لو دار الأمر مدار الرجحان لم يثمر شأنية الظن مع عدم تحققه كما في كثير من موارد الاحتجاج به والآخر ثمرة للحمل على المعنى المفروض ثم تصحيحه بالتوجيه المذكور على أنه لا يظهر من شيء من الأدلة القائمة عليه لاعتبار تلك الرجحانية في المقام فالظاهر أن المراد بالأصل هنا هو القاعدة المستفادة من الأدلة الآتية والمقصود بالنفي في المقام أن تعلق بالتكاليف انتفاؤه بالنسبة إلينا في عدم تعلقه بها وبالنسبة إلى غيرها البناء على عدمه والحكم بعدم ترتب شيء من الأحكام المتفرعة على وجوده فظهر أنه لا ارتباط للأصل المذكور بالواقع ولا يدل على نفي الحكم في نفس الأمر وإنما يفيد نفي الحكم في الظاهر ولو فرض حصول ظن هناك بانتفاء ذلك في الواقع فهو من المقارنات الاتفاقية ولا مدخلية له في الحجية ولم يقم شيء من الأدلة المذكورة على حجية تلك المظنة نعم على القول بأصالة حجية الظن كما هو مختار بعض هنا والمعروف عن طريقة مخالفينا يمكن القول بحجيته وكأنه الوجه مما يستفاد من العامة وغيرهم من أصل الأخذ فيه بمعنى الراجح غير أنه لا ينحصر الاحتجاج به في الصورة المذكورة لما عرفت من جريانه عندهم في محل الشك وغيره ثم إن الفرق بينه وبين استصحاب حال العقل ظاهر مما قررنا فإن الملحوظ في الاستصحاب استمرار حكم النفي بعد ثبوته أولا وهاهنا لا يلحظ ذلك أصلا بل يحكم بكون العدم أصلا حتى يثبت خلافه بالدليل نعم يصح الاستدلال بالاستصحاب في معظم موارده إذ كما قضت القاعدة بالبناء على النفي حتى يثبت الوجود كذا يستصحب العدم القديم حتى يتبين المزيل ولذا يجعل الاستصحاب من الأدلة على أصالة البراءة والإباحة كما سنقرر القول فيه والفرق بين الأصل المذكور والقاعدة الأخرى المعبر عنها في كلامهم بأن عدم الدليل دليل العدم أن تلك القاعدة إنما تفيد انتفاء الحكم في الواقع ولا دليل على انتفاء الحكم في الشريعة ولذا خصها بعض المحققين بما يعم به البلوى إذ عدم وصول الدليل في مثله دليل على انتفاء في الواقع وهو دليل على انتفاء الحكم في الشريعة إذ لو كان هناك حكم لبينه الشارع وأما أصالة البراءة ونحوها فإنما تفيد انتفاء حكم بالنسبة إلينا وإن فرض ثبوته في الواقع وكان الأظهر إدراج ذلك في أصالة النفي بعد حمل النفي على الأعم ثم من الواقع والظاهر بأن يقال أن قضية الأصل النفي الواقعي انتفاء الدليل عليه بحسب الواقع والنفي في الظاهر مع انتفاء الوصول إليه في الظاهر وحينئذ ينبغي تعميم حكم في تلك القاعدة بالنسبة إلى عدم الدليل وغيره فيقال إن عدم الدليل في الواقع وعدمه في الظاهر دليل على عدمه في الظاهر فيرجع إحدى القاعدتين إلى الأخرى ولنفصل الكلام في الأصول الثلاثة المذكورة برسم مقامات ثلاثة المقام الأول في أصالة البراءة والمعروف من المذهب ثبوت الأصل المذكور بل لا يعرف قائل معروف على الوجوب التكليف بأمر وجودي من غير قيام دليل عليه سوى ما ستعرف عن بعض كلمات الأخبارية بل عن المحقق حينئذ أصالة أنه أطبق العلماء على أن مع عدم الدلالة الشرعية يجب إبقاء الحكم على ما يقتضيه البراءة الأصلية وذكر في المعالم في عداد أدلة القائلين بحجية الاستصحاب أن العلماء متفقون على وجوب إبقاء الحكم مع عدم الأدلة الشرعية على ما يقتضيه البراءة الأصلية ولم يذكر بعد ذلك ما يتوصل إلى تأمل منه في الاتفاق المذكور وقد حكى صاحب الحدائق مع أنه من عظماء الأخبارية الاتفاق على ما ذكر حيث قال في مقدمات الحدائق والدرر النجفية بعد أن قسم البراءة الأصلية فيهما إلى قسمين أحدهما أنها عبارة عن نفي وجوب على فعل وجودي إلى أن يثبت دليله بمعنى أن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم عليه دليل وهذا القسم مما لا خلاف في صحة الاستدلال أو العمل عليه إذ لم يذهب أحد إلى أصل الوجوب حتى يثبت عدمه لاستلزام ذلك تكليف ما لا يطاق وأشار في الأول إلى غيره من الأخبار الدالة على انتفاء التكليف مع الجهل وقال أيضا في الدرر النجفية إن كان الحكم المطلوب دليله هو الوجوب فلا خلاف ولا إشكال في انتفائه حتى يظهر دليله لاستلزام التكليف بدون الدليل الحرج وتكليف ما لا يطاق كما عرفت لا من حيث عدم الدليل كما ذكروا بل من حيث عدم الاطلاع عليه إذ لا تكليف إلا بعد البيان والناس على سعة ما لم يعلموا وأشار أيضا إلى بعض الأخبار الآتية قد ناقش فيه صاحب الفوائد المدنية بأن التمسك بالبراءة الأصلية من حيث هي هي إنما يجوز قبل إكمال الدين وأما بعد أن كمل الدين وتواترت الأخبار عن الأئمة الأبرار صلوات الله عليهم أجمعين بأن كل واقعة يحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة وفيها خطاب قطعي من قبله تعالى حتى أرش الخدش فلا يجوز قطعا وكيف يجوز وقد تواترت الأخبار عنهم عليهم الصلاة والسلام بوجوب التوقف في كل واقعة لم تعلم حكمها معللين بأنه بعد أن كمل الدين لا يخلو واقعة عن حكم قطعي وارد من الله تعالى وبأن من حكم بغير من أنزل الله فأولئك هم الكافرون ثم أقول هذا المقام مما زلّت