الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
445
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
به أقدام أقوام من فحول العلماء فحري منا أن نحقق المقام وتوضيحه بتوفيق الملك العلام ودلالة أهل الذكر عليه السلام فنقول التمسك بالبراءة الأصلية إنما يتم عند الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح الذاتيين وكذلك عند من يقول بهما ولا يقول بالوجوب والحرمة الذاتيين والمستفاد من كلامهم عليهم السلام وهو الحق عندي ثم على هذين المذهبين إنما يتم قبل إكمال الدين لا بعده إلا على مذهب من جوز من العامة خلو الواقعة عن حكم وارد من الله تعالى لا يقال بقي أصل آخر وهو أن يكون الخطاب الذي ورد من الله تعالى موافقا للبراءة الأصلية لأنا نقول هذا الكلام مما لا يرضى به لبيب وذلك لأن خطابه تعالى تابع للحكم والمصالح ومقتضيات الحكم والمصالح مختلفة إلى أن قال لا يعلمها إلا هو جل جلاله ونقول هذا الكلام مما لا يرضى في قبحه نظير أن يقال الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل والعلو ومن المعلوم بطلان هذا المقام ثم أقول هذا الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الأمور في ثلاثة أمر بيّن رشده وأمر بيّن غيه وشبهات بين ذلك وحديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ونظائرهما أخرج كل واقعة لم يكن حكمها بيّنا عن البراءة الأصلية وأوجب التوقف فيها ثم استشهد بكلام بعض العامة قال ثم أقول الاشتباه قد يكون في وجوب فعل وجودي وعدم وجوبه مثلا وقد يكون في حرمة فعل وجودي وعدم حرمته مثلا وقد جرت عادة العامة وعادة المتأخرين من علماء الخاصة بالتمسك بالبراءة الأصلية في المقامين ولما أبطلنا جواز التمسك بها لعلمنا بأنه تعالى أكمل لنا ديننا ولعلمنا بأن كل واقعة تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة أو تخاصم فيها اثنان ورد فيها خطاب قطعي من الله تعالى خال عن معارض ولعلمنا بأن كل ما جاء به نبينا صلى اللَّه عليه وآله محزون عند العترة الطاهرة لم يرخصوا في التمسك بالبراءة الأصلية فيما لم نعلم الحكم الذي ورد فيه بعينه بل أوجبوا التوقف في كل ما لم نعلم حكمه بعينه وأوجبوا الاحتياط في بعض صوره فعلينا أن نبين ما يجب أن يعمل به في المقامين وسنحققه بما لا مزيد عليه في الفصل الثامن وقد ذكر هناك وجوب الاحتياط به بالفعل فيما إذا ورد نص صحيح صريح في كون الفعل مطلوبا غير صريح في وجوبه وندبه إذا كان ظاهرا في الوجوب وكذا لو كان تساوى الاحتمالين ولو كان ظاهرا في الندبية بني فيه على جواز الترك وكذا فيما إذا بلغنا حديث ضعيف دال على وجوب شيء واحتج عليه بقوله صلوات الله عليه وآله ما حجب الله علمه عن العباد موضوع عنهم وقوله صلى اللَّه عليه وآله رفع القلم عن تسعة أشياء من جملتها ما لا يعلمون قال فنحن معذورون ما دمنا متفحصين وخرج عن تحتهما كل فعل وجودي لم نقطع لجوازه بالحديث المشتمل على حصر الأمور في الثلاثة إلى آخر ما ذكره وأنت تعلم أن قضية حجته المذكورة جواز الترك في صورة تساوي الاحتمالين أيضا لحصول الحجب وانتفاء العلم مع أنه نص على خلافه ثم نقول إن كان الظن حجة في المقام فلم يعد مظنون الدلالة من موارد الشبهة وإلا فما الوجه في حكمه بوجوب الاحتياط إذا كان النص المفروض ظاهرا في الوجوب دون ما إذا كان ظاهرا في الندب إذا كان النص واضح الدلالة قاصر السند مع اشتراك الجميع في حصول الشبهة وليت شعري هل فرقة المذكور بنص من الأئمة عليهم السلام أو بمجرد الرأي وتشهي النفس ولو وجد عنده نص في ذلك لكان عليه إيراده في المقام ليكتفي به في تبين المرام ثم إنه ذكر بعد كلام له على جملة من المتأخرين وتكراره لبعض المطالب المتقدمة نعم يمكن أن يقال بناء على ما نقله في كتاب العدة رئيس الطائفة عن سيدنا الأجل المرتضى رحمه الله من أنه ذهب إلى أن في زمن الفترة الأشياء على الإباحة بمعنى أنه لم تتعلق بهم شيء من التكاليف الواردة التي خفي عليهم أو تعلق التكليف يتوقف على بلوغ الخطاب عند الأشاعرة وعليه أو على نقص العقل بالحكم عند المعتزلة ومن وافقهم والمفروض انتفاء الأمرين إذ من لم يتفطن بحكم الله في واقعة لم يتعلق به ذلك الحكم لكن هذا خلاف قواعدهم لأنهم لم يبنوا فتاويهم على أن زمانهم زمان الفترة بل يقولون هكذا نزلت الشريعة وبين المقامين بون بعيد قيل ما ذكره سهو بيّن فإن أحدا من أهل العلم لا يقولون عند استدلاله بأصالة البراءة عند العجز عن الأدلة إنه كذا نزلت الشريعة بل يجعلون ذلك قضية تكليفهم عند فقد الأدلة كما يعرف من أدلتهم المذكورة ثم إن اختار معذورية أهل الفترة قال وكذلك من علم إجمالا ولم يعلم تفصيلها بعد العلم بالتفاصيل في أمهات الأحكام مثل آللّه إذن لكم أم على الله تفترون وعده عنده من الآيات لا يتجه العذر وقال ثم اعلم أن التمسك بما صار إليه المرتضى في زمن الفترة أنما يجري في زمن الغيبة في سقوط وجوب فعل وجودي وفي الفتوى بسقوطه عنا ما دمنا جاهلين متفحصين ولا يجري في سقوط حرمته لأن يلقنا القواعد الكلية الواردة عنهم عليهم السلام المشتملة على وجوب الاجتناب عن كل فعل وجودي لم يقطع لجوازه عند اللّه هكذا ينبغي أن يحقق هذا إلى آخر ما ذكر وأنت خبير بأن ظاهر كلامه الآخر الحكم بجواز نفي التكاليف المتعلقة بالأفعال الوجودية ما لم يقم عليه دليل وقول بحجية أصالة البراءة حسبما ذكرنا وعمدة الغرض من نقل أقاويله المذكورة الإشارة إلى شدة اضطرابه في المسألة وعدم استقامته على طريقة واحدة مع دعواه قيام الدليل القاطع في كل واقعة ثم إنه قد حكي بعد ما نقلنا عنه أولا ما ذكره المحقق رحمه الله في أصوله من أن الأصل خلو الذمة عن الشواغل الشرعية فإذا ادعى مدع حكما شرعيا جاز لخصمه أن يتمسك في انتفائه بالبراءة الأصلية فنقول لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعية لكن ليس كذلك فيجب بعينه ولا يتم هذا الدليل إلا ببيان مقدمتين إحداهما أنه لا دلالة عليه شرعا بأن يضبط طريق الاستدلالات الشرعية وبين عدم دلالتها عليه والثانية أن يعين أنه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه إحدى تلك الدلالات لأنه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلف إلى العلم به وهو تكليف بما لا يطاق ولو كان عليه دلالة غير تلك الأدلة لما كانت أدلة الشرع منحصرة فيها لكن بينا انحصار الأحكام في تلك الطرق وعند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم والله أعلم ثم استحسن الكلام المذكور واستجوده وهو أثنى على المحقق ومدحه ثم قال وتحقيق كلامه أن المحدث الماهر إذا تتبع الأحاديث المروية عنهم عليهم السلام في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للأصل لاشتهر لعموم البلوى بها وإذا لم نظفر بحديث يدل على ذلك الحكم ينبغي أن يحكم [ قطعا ] عاديا بعدمه لأن جما غفيرا من أفاضل علمائنا أربعة آلاف منهم تلامذة الصادق كما مر نقله عن المعتبر كانوا ملازمين لأئمتنا عليهم السلام في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة وكان همهم وهمم الأئمة إظهار الدين عندهم وتأليفهم كلما يسمعون منهم في الأصول لئلا يحتاج الشيعة إلى