الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

439

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

جهالته فنقول حينئذ إن النظر في المعجزة بعد ادعاء النبوة إما أن يكون واجبا على المكلفين بالوجه الثاني أو لا فإن قيل بالثاني لزم الإقحام وإن قيل بالأول أبطل بما ذكر في الدليل إذ لا يثبت على المكلفين في ظاهر التكليف من مجرد قوله إلا بعد ثبوت نبوته بناء على كون الوجوب والتحريم بمحض أمر الشارع ونهيه وأما لو كانا عقليين فيثبت الحكم مع قطع العقل به حسبما ذكرنا وقد يجاب أيضا لو كان الحسن والقبح شرعيين لكان هذه الأمور الجلية الموقوفة على تقدير جاعلها ووضعه إياها وذلك إنما يحصل بالعلم بواضعها من حيث واضعها فقيل العلم به لا تحقق لها في الواقع فالوجوب الشرعي من حيث هو شرعي إنما يتحقق بحسب الواقع بالعلم بالشارع من حيث إنه شارع فقبل العلم به لا تحقق في الواقع ولا يثبت على المكلف وجوب شرعي بحسب نفس الأمر ويترتب عليه المفسدة المذكورة بخلاف ما إذا كان الوجوب عقليا لثبوت الحكم إذن بحسب نفس الأمر من غير أن يتوقف ثبوته على ثبوت الشارع والشريعة فيختلف الواقع بحسب اختلاف المقامين فالواقع في الأول هو الحكم المجعول من الشارع فيتوقف ثبوته الواقع على ثبوته بخلاف الثاني وفيه أن ما ذكر من الفرق غير واضح بل الظاهر خلافه وإنما الفرق بين الأمرين أن الواقع في الأول لما كان أمرا جعليّا كان حاصلا بجعل الجاعل بخلاف الثاني فإنه أمر حاصل في نفسه ولا ربط لشيء منها بعلم المكلف بالشارع أولا بحكمه بل مجرد وجود الشارع بحسب الواقع وحكمه بذلك كان حاصلا بجعل الجاعل في نبوته الواقعي وإن كان الحكم به جعليا غاية الأمر أن يتعلق تكليف بالمكلف حال غفلة وذلك أيضا مما لا فرق فيه بين الصورتين كما لا يخفى وقد يورد على الدليل المذكور بوجه آخر وهو أن غاية ما ذكر حصول الإقحام لو توقف المكلفون على ملاحظة المعجزة معللين بما ذكر لكنه لم يتفق ذلك لجريان العادة بإراءة النبي صلى اللَّه عليه وآله ذلك للمكلفين وعدم استنادهم إلى مثل ذلك وأنت خبير بأنه لا بد من قيام الحجة على المكلف وعدم وقوع مثل ذلك على سبيل الاتفاق لا يقضي به لجواز أن يقع على بعض المكلفين بعد التفطن للوجه المذكور وعدم تفطن الخصم لأمر يوجب عذره وإقحام مدعية مع وجوده بحسب الواقع لا يقضي بإتمام الحجة وهو ظاهر الرابع أنهما لو كانا شرعيين لم تجب المعرفة لتوقف وجوبها إذن على معرفة وجود الموجب وتكليفه به ومعرفة الرسول صلى اللَّه عليه وآله المبلغ وصدقه في التبليغ وهو توقف للشيء على نفسه وهو أفحش فسادا من الدور وأورد عليه بنحو ما مر في الحجة السابقة من أن وجود المعرفة به لا على معرفته يستلزم المفسدة المذكورة وجوابه ما عرفت من الفرق بين وجوب المعرفة في الواقع ووجوبه علينا بحسب تكليف الظاهر والمقصود بالوجوب في الحجة إنما هو الثاني لإجماع الفريقين على وجوبها كذلك على المكلفين بل هو من ضروريات الدين وقد عرفت أن وجوبها الواقع مع حصول القدر المسقط للتكليف مما لا ثمرة له في المقام وقد يقرر الاحتجاج المذكور بوجه آخر بأن يقال لو كانا شرعيين لم يمكن العلم بوجوب المعرفة قبل حصولها لتوقف العلم بوجوبها على حصول المعرفة بالمكلف وهو كاف في المقام ضرورة العلم به وإلا لما حكموا بوجوب المعرفة حسبما أطبق عليه الكل الخامس أنه لو كان الحسن والقبح لاستواء نسبها إذن في النظر إلى الأمر والنهي لكان ترجيح الشارع بعضها بالأمر وبعضها بالنهي البالغين حد المنع من خلافه وعدم ترجيح من غير مرجح وفساد التالي مع ظهوره تبين في محله ويمكن الإيراد عليه بأنه لا ينحصر المرجح في المقام في خصوص حسنها وقبحها بالمعنى الشارع فيه فقد يكون أمور أخر كموافقة المصلحة ومخالفتها وموافقة الطبع ومخالفته حيث إن التكليف يناسب أن يكون باتحاد المخالف وترك الملائم مضافا إلى أن الاستقراء يجوز الترجيح بلا مرجح فلا يتم الاستدلال على مذهبه إلا أن ذلك لا يدفع الاحتجاج لإثباتهم المقدمة المذكورة في محله وأما الحجج النقلية الدالة على ذلك من الكتاب والسنة فكثيرة جدا فمن الأول قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان إلى قوله ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي فيدل على أن هناك فحشاء ومنكرا مع قطع النظر عن تعلق النهي عنه سبحانه بهما لا أنهما صارا فحشاء ومنكرا بنهيه كما هو ظاهر من عرض الكلام المذكور على العرف كيف ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الفحشاء والمنكر هو عين ما نهى عنه فيكون مفاد الآية أن الله ينهى عما نهى عنه وهو واضح الفساد بل نقول إن سياق الآية في كمال الظهور في الدلالة على أنه تعالى يأمر بالأمور الحسنة من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الأمور القبيحة من الفحشاء والمنكر والبغي ومنه قوله تعالى قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون أن هناك فحشاء لا يتعلق أمر الشارع به ولولا ذلك لكان الفحشاء وغير المنهي عنه فيكون مفاد الآية حينئذ أنه لا يأمر بما نهى عنه وهو مع فساده في نفسه مخالف لسياق الآية أنه مفاده أن ما ذكر قيل من قبل الفحشاء في نفسه فلا يتعلق به أمره تعالى فإنه لا يأمر بالفحشاء ففيه دلالة على بطلان القول بجواز أمره سبحانه بأي من الأفعال من غير فرق بينها حسبما زعموه وربما يقال بدلالتها على المقصود لو حمل الفحشاء على المعنى المذكور أيضا لإفادتها عدم تعلق الأمر والنهي بشيء واحد وهو مبني على القاعدة المذكورة أيضا ولا يخفى وهنه إذ غاية ما يفيده حينئذ عدم وقوع ذلك منه وأين ذلك من عدم جواز وقوعه تعالى ومنه قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن الآية والتقريب ما مر كيف وسياقها صريح في أن الله سبحانه لم يحرم إلا الأمور المستنكرة عند العقول مما يحكم صريح العقل بقبحه وذم فاعله وقد عد في الآية الشريفة جملة منها ومنه قوله تعالى بعد النهي عن الغيبة أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه فإنه صريح في قبح الفعل المذكور في نفسه فإنه كأكل لحم أخيه الميت القبيح في حكم العقل أيضا نهي الشرع منه مقرون بالقبح المذكور لا أن مجرد نهيه عنه قضى بقبحه من غير حصول قبح فيه وليس المراد بالاستكراه في الآية الشريفة مجرد استكراه الطبع دون القبح واستحقاق الذم فإنه لا يناسب التعليل في المقام ومنه الآيات الواردة في الاحتجاج على الكفار والعصاة بإبداء فرق العقل بين المحسن والمسئ والمطيع والعاصي ونحوهما كقوله تعالى أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ومنه الآيات الدالة على نحو ما ذكره صريحا أو فحوى وأما السنة الدالة على ذلك فهي كثيرة جدا كما يظهر من ملاحظة الأخبار