الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

440

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الواردة في المواعظ وبيان علل الأحكام وغيرها مما لا يخفى على من له أدنى اطلاع على الروايات ويدل عليه أيضا بالخصوص عدة من النصوص منها ما روي عن أبي الحسن عليه السلام حين سئل عن الحجة على الخلق اليوم فقال عليه السلام المقول يعرف به الصادق على الله فيصدقه الكاذب على الله فيكذبه ومنها ما روي عن الكاظم عليه السلام من قوله يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة فأما الظاهرة فالأنبياء المرسل والأئمة عليهم السلام وأما الباطنة فالقول إلى غير ذلك من الروايات الواردة سيقف عليه الناظر في مطاوي الأخبار المأثورة حجة الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين أمور أحدها قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فإنه دلت الآية الشريفة على نفي التعذيب قبل بعث الرسول صلى اللَّه عليه وآله فيدل على عدم استحقاقهم للعقوبة وإلا لكان عدم إرادتها يستحق إليه منافيا للحكمة واللازم من انتفاء الوجوب والتحريم العقليين وإلا لثبت استحقاق العقاب بترك الأوّل وفعل الثاني كما يدعيه العدلية ويمكن الجواب عنه بوجوه أحدها أن أقصى ما يفيده الآية نفي التعذيب واستلزامه نفي الاستحقاق نظرا إلى ما ذكر مدفوع إلى الفرق بين استحقاق الثواب والعقاب فإن الأول مما لا يمكن فيه التخلف بخلاف الثاني لجواز العقوبة ومن المعروف أن الكريم إذا وعد وفي وإذا توعد عفا وفيه أن ظاهر الآية عدم استحقاقهم العقاب وأنه لو عاقبهم لما حسن منه ذلك فإن ظاهر التعبير المذكور إذا ذلك مما ينبغي صدورها منه كما إذا قلت ما كنت لا تفعل كذا قال الله تعالى وما كان أمه يفصل قوما بعد إذ هداهم حتى يتبين لهم ما ينفقون ويمكن دفعه بأن غاية ما يسلم دلالتها عليه أن اللائق به تعالى عدم حصول التعذيب منه قبل البعثة وهو قد يكون من جهة العفو وأن اللائق بلطفه عدم تعذيب العباد قبل تشفيع العقل بالنقل وإن كان الأول كافيا في استحقاق العقاب بعد وضوح طريق الثواب فاستحقاق العقوبة ثابت للعبد بالنظر إلى حاله من جهة عصيانه وإن لم يصح التعذيب منه تعالى نظرا إلى ما عليه من اللطف والرحمة واللازم للوجوب هو الأول ولا ينافيه الثاني كما هو الشأن في الصغار عند ترك الكبائر فإن قلت ليس المقصود استحقاق العبد لمطلق العذاب بل لعذابه تعالى وهو لا يجامع عدم صلاح صدور التعذيب منه تعالى أن لا يعقل استحقاقه لعذابه تعالى مع حسن التعذيب منه تعالى وما ذكر من عدم استحقاق العقوبة في ارتكاب الصغائر عند ترك الكبائر ممنوع لحصول الاستحقاق هناك نظرا إلى إقدامه على المعصية غاية الأمر أن يكون ترك الكبيرة كفارة له وأين ذلك من عدم استحقاقه العقوبة في الإقدام عليه قلت فرق بين عدم استحقاق العقاب من أصله للعفو نظرا إلى لطفه تعالى مع عدم منافاته للحكم في ذلك المقام إذ من الواضح توقف العفو على الاستحقاق فإن العفو لا يكون إلا عن ذنب فهناك استحقاق للعقوبة واستحقاق للعفو واللازم لمخالفة الواجب والحرام دون الأول لحصول ثم إن القائلين بالحسن والقبح العقليين اختلفوا في كونهما ذاتيين للأفعال أي الثابتين لها النفس ذواتها أو أنهما يثبتان لها من جهة الأمور الخارجة عن الذات على أقوال أحدها أنهما ذاتيان للأفعال وحكي القول به عن قدماء المعتزلة وكأنهم أرادوا أنهما ثابتان لها بمجرد ذواتها من غير انضمام شيء وراء الذات من صفة وجودية أو اعتبارية عدمي نحو ثبوت الزوجية للأربعة حيث لا يفتقر ثبوتها لها إلى شيء وراء الذات ويحتمل أن يراد به أن نفس الذات قاضية بثبوت الحسن أو القبح وإن أمكن أن يعارض جهة خارجية يمنعها من مقتضاها والظاهر أنهم أرادوا الأول حيث إن الظاهر مما حكي عنهم انحصار جهة الحسن والقبح في الذات وعلى الوجه الأخير لا ينحصر الأمر فيها بل يكون نفس الذات أيضا كأحد الاعتبارات ويشهد له أيضا الإيرادات الموردة على القول المذكور فإنها مبنية على فهم ذلك من كلامهم ثانيها أنهما ثابتان لها لصفات حقيقية توجب ذلك وعزي القول به إلى جماعة ممن تأخر عن أولئك الأوائل والظاهر أن المراد بالصفات الحقيقية هي الصفات اللازمة دون الصفات المفارقة في بعض الأحوال دون البعض على ما يقول به القائل بالاعتبارات وقد نبه عليه في شرح الشرح إذ من البين أن حمل الصفات الحقيقية على معناه المعروف مما لا يعقل كما لا يخفى ثالثها التفصيل بين الحسن والقبح فالأول يكفي فيه نفس الذات دون الثاني فهو مستند إلى الصفة الحقيقية وكأنه أراد به الملازمة حسبما مر وحكي القول به عن أبي الحسين والظاهر أنه أراد باستناد الحسن إلى الذات هو المعنى الأخير حتى يصح استناد القبح عنده إلى أمر خارج عن الذات رابعها أنهما يثبتان بالوجوه والاعتبارات فليس شيء منها مستندا إلى نفس الذات ولا الصفات اللازمة خامسها أنه لا يتعين شيء من الأمور المذكورة بل قد يكون ذاتيا مستندا إلى الذوات أو إلى الصفات اللازمة وقد يكون اعتباريا منوطا بالوجوه والاعتبارات نظرا إلى صحة استناده إلى كل من المذكورات فيختلف الحال باختلاف الأفعال بعد إبطال كل من الوجوه المتقدمة يتعين البناء عليه وستعرف ما فيه وقد أورد على القولين الأولين بوجوه الأول لزوم امتناع النسخ بناء على كل منهما إذ لو كانت الذات مجردة أو هي مع لوازمها كافية في الاتصاف بأحد الوصفين استحال الانفكاك بينهما فيستحيل النسخ من الحكيم الثاني أنهما لو كانا ذاتيين بأحد الوجهين المذكورين لم يمكن التخلف مع أنا نرى الفعل الواحد حسنا من وجه قبيحا من الآخر كالكذب فإنه قبيح لو اشتمل على مفسدة خارجية وحسن إذا اشتمل على مصلحة عظيمة كحفظ بني آدم أو دماء المسلمين بل تركه حينئذ من أقبح القبائح وكذا الحال في الصدق وغيره من الأفعال الثالث أنه لو قال لا كذبن غدا لزم اجتماع الحسن والقبح فإنه إن صدق كان حسنا من حيث كونه صدقا وقبيحا من حيث كونه كذبا حسنا من جهة إفضائه إلى الصدق في الخبر المتقدم والمفضي إلى الحسن حسن سيما إذا كان تركه مفضيا إلى القبيح كما في المقام ويجري نحو ذلك فيما إذا أخبر بإيقاع سائر الأمور القبيحة وأورد عليه أنه لا يلزم اجتماع الحسن والقبح في كلامه على شيء من الوجهين إذ مراده بقوله لأكذبن غدا إيجاد طبيعة الكذب في الجملة أو في كل ما يخبر فيه فعلى الأوّل مجرد صدقه في الخبر المفروض لا يؤدي إلى الكذب في الخبر الأول لجواز كذبه في غيره وإن كان الثاني فكذبه فيه لا يفضي إلى صدق الخبر المتقدم لجواز صدقه في غيره وقد جعل التفتازاني في ذلك وجها لإضراب العضدي عن التقدير المذكور وتقريره الاحتجاج