الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
435
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
مدخلية فيه قبل حكم الشرع أو بعده فالمفهوم المذكور هو القدر الجامع بين المعنيين وإن كان القيد المذكور باعثا على اختلاف الأمرين حسبما ذكر هنا والمأخوذ في محل النزاع هو القدر المذكور وهو كاف في المقام ويمكن أن يجعل النزاع في إثبات الحسن والقبح العقليين ونفيهما فيكون تفسير الأشاعرة لهما بما فسر مبنيا على مذهبهم بعد بنائهم على نفي العقليين فتأمل المقام الثاني في بيان حجج العدلية على ثبوت الحسن والقبح العقليين وإدراك العقل في الجملة لكل من الأمرين ولهم في ذلك متمسكات من العقل والنقل أما الأول فمن وجوه أحدها على أن حسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان مما يشهد بهما في الجملة ضرورة الوجدان ولذا يحكم به الفرق المنشعبة من صنوف الإنسان حتى منكري الشرائع والأديان بل ربما لم يخف الحال في بعض مصاديقه على الإنسان من الحيوان فإن الحكم بحسن الإحسان على بعض المضطرين ممن كان له الحاجة والإنعام عليه بما يحفظ جنايته عند الوقوع في المهلكة كقبح فعل من جازاه بعد ذلك بكمال الإساءة وقابل صفة الجميل على قدر تمكنه من الإيذاء والإهانة من الضروريات الأولية والفطريات الجلية بحيث لا يخف الفرق بين الأمرين في استحقاق المدح والذم على أحد من البرية ولا يتوقف فيه من كان على الغريزة الإنسانية ألا ترى أن من صادف رجلا منقطعا عن الرفعة وقد بقي منفردا في مهمة تفر في شدة من الحر بلا زاد ولا راحلة ولم يعرف طريقا إلى نجاته ولا حيلة وقد غلب عليه حينئذ الحر والعطش بحيث لم يبق له قوة على النهوض والحركة وقد بقي طريحا على الرمضاء يظهره الشمس السماء وانقطع عنه الرجاء بالبقاء وأيقن بالموت والفناء قد غلبه الإغماء لما ألفي من التعب والنصب والعناء فلما وافاه أقبل عليه بكله ورفع رأسه في حجره ومسح التراب من وجهه وكان أشفق عليه من أبيه وأمه ويضع الماء شيئا فشيئا في حلقه وقد أظله عن الشمس بنفسه إلى من غشوته وتقوى مما كان فيه من شدة ضعفه فأخذه من ذلك المكان وأتى به إلى منزله فمهد له الموائد وسقاه من الزلال البارد وأنعم عليه غاية الإنعام وأكرمه فوق ما يتوقع عليه من الإكرام وأخدمه أهله وعياله ومن له من الخدام إلى أن زال ما كان فيه من التعب وارتفع عنه ما لفي من النصب أعطاه زاد وراحلة ورفع إليه سلاحا ليتمكن من دفع عدوه وشبعه إلى أن يوصله إلى طريقه ودله إلى ما كان يرونه من مقصده ولم يفعل به كل ما ذكر من الجميل إلا لمجرد دفع الضرر عن المضطرين من غير أن يقصد به مجازاة أو شيئا آخر ثم إن ذلك الرجل لما رأى حينئذ قوة نفسه وانفراد صاحبه وتمكن من قهره كر عليه بسلاحه وأخذه جميع ما عنده ثم قابله بأنواع البلاء من الشتم والضرب والجرح والإيذاء إلى أن صرعه على الأرض في أشد الحال وأسوإ الأحوال ثم عاد إلى أهله وعياله فهتك عرضه وأخذ من أمواله ما قدر على أخذه وأحرق ما لم يقدر عليه إلى غير ذلك من أنواع الاضطرار والإيذاء والإهانة كل ذلك من غير ضرورة داعية إليه أو شدة حاجة أو اضطرار باعث عليه أو عداوة سابقة تدعو إليه بل لمحض مقابلة الإحسان بالإساءة ومجازاة النعمة بالنقمة فأي عاقل يحكم بتساوي الفعلين في استحقاق المدح والذم وترتب الثناء واللوم أفيجوز في عقل من العقول الحكم بمساواة الصفتين وتساوي ذينك الشخصين ما أتيا به من الفعلين إلى أن يرد الشرع بمدح أحدهما وذم الآخر مع تساوي نسبة مدحه وذمه إلى الأول والآخر ليكون حسن أحد الفعلين وقبح الآخر بمجرد مدحه وذمه من غير ملاحظة شيء آخر غيره وهو كما ترى أوضح البطلان من أن يخفى على ذهن من الأذهان حتى النسوان والصبيان ومما ينادى بضرورة إدراك العقل استحقاق المدح على بعض الأفعال والذم على بعض إطباق العقلاء على المدح على جملة من الأفعال والذم على جملة أخرى ولذا يحكمون بحسن عقوبة السيد عبده إذا عصاه ويذمونه على عصيانه مولاه ويمدحونه إذا رأوه ممتثلا للأوامر ومنتهيا عما نهاه ويذمون المولى إذا رأوه بغير ما يستحقه ولا زالت العلماء والخطباء في سائر الأعصار والأزمان والبلدان وينهون الناس بمقتضى ضرورة العقل على بعض الأفعال وقبح بعضها وعدم إقدام الفاعل على ترك بعضها كحسن طاعة المنعم الحقيقي وقبح معصيته سيما إذا علم بما يترتب على الأمرين من المثوبات الجزيلة والعقوبات الشنيعة فإن ضرورة العقل قاضية بحسن الإتيان في الأول وقبح الإقدام على الثاني مع قطع النظر عن ملاحظة ما ورد فيه من الشرع ومما ينبه على ذلك أيضا لو خير العاقل بين الصدق والكذب مع تساويهما في النفع والضرر وسائر الجهات الخارجية لاختار الصدق على الكذب وليس ذلك إلا لحسنه إذ لا سبب غيره مما يتوهم من استواء الصدق والكذب من جميع الجهات ومجرد فرضه غير نافع مع انتفائه في الواقع إذ لا أقل من الاختلاف بينهما في المطابقة واللامطابقة ومن أنه لا يستلزم أن يكون إيثار الصدق من جهة حسنه بالمعنى المعروف أو قبح الكذب كذلك بل ليس ذلك إلا من جهة كون الكذب نقصا أو لكونه منافرا للطبع بخلاف الصدق فلا يفيد ذلك ثبوت الحسن أو القبح بالمعنى المتنازع فيه مدفوع أما الأول فلأن المفروض استواؤهما في المصالح والمفاسد وسائر الجهات الموافقة للغرض والمخالفة لا في مطلق الصفات إذ لا فائدة في اعتباره في المقام ومن البين إمكان استوائهما فيما فرض في كثير من الأحيان وأما الثاني فلأنه من البين أن شيئا من الكذب والصدق من حيث هو لا موافقة فيه للطبع ولا منافرة سيما مع تحقق ما فرض من المساواة في الآثار ولذا إذا ميز من غير المميز لم يوجد اختلاف بينهما أصلا مع أن مخالفات الطبع مما يدركه غير المميز في الغالب فليست الموافقة والمخالفة في المقام إلا العقل وهو ملزوم الحسن والقبح العقليين لملائمة العقل للأمور المحسنة وتنفرد من الأمور المستحقة كما هو الشأن بالنسبة إلى سائر الحواس بالنسبة إلى ما يلائمها وينفر عنها وصفة الكمال والنقص أن ثبت حصولها في الأفعال فليس إلا من جهة الحسن أو القبح إذ ليس الفعل المتصف بالكمال إلا ما يمدح فاعله والمتصف بالنقص ليس إلا ما يذم فاعليه وقد اعترف به صاحب المواقف حيث أورد على أصحابه المستدلين على امتناع الكذب عليه تعالى بكونه صفة نقص والنقص عليه محال بالإجماع قائلا أنه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه فيها وإنما يختلف العبارة كما ترى بمنزلة اعترافه بالحق لإقرار أصحابه كما هو مقتضى الضرورة من كون الكذب واعترافه يكون ذلك