الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

436

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

عين القبح المتنازع وقد يورد في المقام تارة بمنع قيام الضرورة من العقل بحسن شيء أو قبحه ومما ادعى من إدراك الحسن والقبح في الأمور المذكورة إنما هو من جهة الألف بالشريعة وملاحظة أحكام الشرع والعادة لا من مجرد العقل فتارة بالمنع من كون المدرك هو الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه بل قد يكون بأحد المعاني الأخر الخارجة عن محل النزاع كموافقة الغرض ومخالفته وصفة النقص ونحوهما وأخرى بأن ذلك لو سلم فإنما يفيد ثبوت الحسن والقبح بالنسبة إلى أفعالنا دون أفعاله تعالى واستنباط الأحكام الشرعية من العقل مبني عليه وقياس الغائب على الشاهد مما لا وجه له سيما بالنسبة إلى الله تعالى مع أنا نقطع بأنه تعالى لا يقبح منه تمكين العبد من المعصية مع أنه قبيح منا واندفاع الجميع أما الأول فإنا نفرض ذلك فيما لا ألف له مع الشرعية والعادة أصلا ومن البين أنه يحكم بعين ما حكمنا ويقطع بمثل ما قطعنا أو نقطع النظر عن ملاحظة الشرع والعادة بالمرة ومع ذلك نجد من أنفسنا إدراك الحسن الحكم المذكور كذلك من غير ريبة وما قد يتوهم من أن فرض انتفاء الشيء غير انتفائه في الواقع فإذا كان الألف بالشرع قاضيا بذلك كان ذلك سببا لإدراك العقل وإن فرض العقل انتفاءه الشرع أو العرف مدفوع بأن العلم حاصل من الأسباب أنما يكون ملاحظة العقل ذلك المسبب وعلى فرض العقل انتفاء تلك الأسباب لا يحصل العلم بتلك الأشياء على ذلك التقدير ألا ترى أنه لو قطع النظر عن المقدمتين لم يحصل للنفس علم بالنتيجة وإنما يحصل العلم بها مع ملاحظتها إما تفصيلا أو إجمالا وكذلك العلم الحاصل من جهة الحواس كالأبصار والأسماع ونحوهما فلو قطع النظر عن الإحساس وفرض عدمه لم يحكم العقل بشيء منها وكذا الحال في الأحكام العادية كقبح المشي عريانا في المجالس والأسواق ومجامع الناس والأحكام الشرعية حتى ضروريات الدين والمذهب كوجوب الصلاة والصيام ونحوهما فإنه لو قطع النظر عن ملاحظة العادة والشرع لم يكن هناك حكم بأحد الطرفين مع أنا نعلم في المقام علما ضروريا بثبوت الحكم المذكور من دون تفاوت أصلا بين وجود الشرع والعادة وعدمها والحاصل أن العقل إذا قطع النظر عن جميع ما عداه وجد العلم المذكور حاصلا له وهو دليل على كونه من الفطريات الأوليات إذ لو لم يكن كذلك وكان متوقفا على أحد الأسباب لم يكن حكم العقل به كذلك فظهر بما قررنا ضعف ما قد يورد في المقام من أن الحكم في المقام ضروري حاصل من أن العادة مثلا يتوقف العلم به على العلم بسببه في الجملة لكن لما حصل ذلك وشاع رسخ في النفوس وصار من الواضحات عندنا بلغ في الوضوح إلى حيث استغنت النفس عن ملاحظتها فيحكم بها مع غفلتها عن المسبب ومع الغض عنه فإن غير الأوليات ما لا يصل إلى الحد المذكور وإن بلغت في الوضوح ما بلغت نعم قد يحصل الاشتباه في المقام في تجريد النظر عما عداه وملاحظة الشيء بنفسه من غير ملاحظة لما سواه وهو مما يمكن تمييزه بالوجدان الصحيح كما في المقام فتعين الحال فيها بنحو ما بينها ومع الغض عن ذلك كله فنقول إنا نقطع أيضا أن الشرع والعادة مما لا مدخل له في العلم المذكور كيف وليس ذلك بأوضح في الشريعة والعادة من سائر ضروريات الدين من وجوب الصلاة والزكاة والصوم ونحوها وسائر ما جرت عليه العادات في المأكولات والمشروبات والملبوسات والآداب ومع ذلك نجد الفرق البين والاختلاف الواضح بين المقامين ونقطع بانتفائه فيما ذكر مع الغض عن الشرع والعادة بخلاف ما ذكرنا كما لا يخفى وأما الثاني فبأن المعلوم عند العقل في المقام على سبيل الضرورة هو خصوص استحقاق المدح والذم مع أن موافقته ومخالفته مما يختلف باختلاف المقامات والأغراض والحكم المذكور مما لا اختلاف فيه ولذا يعترف بحسن أحدهما وقبح الآخر من وافق ذلك أغراضه أو خالفها أو صفة الكمال والنقص إذا لوحظت بالنسبة إلى الأفعال لم يبعد إرجاعها إلى محل النزاع كما اعترف به صاحب المواقف كما أشرنا إليه وأما الثالث فمع اندفاعه إذن بعدم القول بالفصل فاسد من جهة حصول القطع المذكور بالنسبة إلى الله تعالى أيضا ألا ترى أنه لو عاقب العياذ بالله خاتم الأنبياء عليه آلاف السلام والثناء مع أنه من أول عمره إلى آخره كان مشتغلا بطاعته للأذى في جنبه لم يعصه طرفة عين ولم يحصل منه سوى الانقياد لرب العالمين حتى إنه عليه السلام لم يقع منه مكروه أبدا ولا مباح غالبا فضلا عن الحرام لكان مستقبحا عند العقل مستنكرا في حكمه ولذا يقطع العقل بخلافه ولا يحتمل وقوع ميله عن جنابه الثاني أنه لو لم يثبت التحسين والتقبيح العقليين لم يقبح من اللّه شيء من الأفعال والتالي باطل والمقدم مثله والملازمة ظاهرة وأما بطلان التالي فلأنه لولاه لزم جواز إظهار المعجزة على يد الكاذب فينسد باب انسداد النبوات ولا يتم معه الحجية على أحد من البريات وجاز الكذب في جميع أخباره وأخبار رسوله وخلفائه فيحتمل أن يكون جميع الواجبات محرمات وبالعكس والمستحبات مكروهة وبالعكس إلى غير ذلك فينسد الطريق إلى معرفة الأحكام وتميز الحلال من الحرام فيتعطل من الشرائع المنزلة وينفي الفائدة في إنزال الكتب وبعثة الرسل بالمرة وأيضا جواز الحلف في وعده ووعيده وثوابه وعقابه وإن وقع الحكم بها على سبيل البت والتحتيم فينتفي الوثوق بوعده ووعيده وجاز أن يعامل مع المحسن معاملة المسئ ومع المسئ بالعكس فيعاقب أطوع عباده بأشد العقاب ويثبت أعصى العصاة فوق ما وعده المطيعين من الثواب وينتفي حينئذ فائدة الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وقد أجيب بوجهين ينحل كل منها إلى وجهين أحدهما القول بثبوت الحسن والقبح في أفعاله تعالى بغير المعنى المذكور فتارة يؤخذ فيها الحسن بمعنى موافقة المصلحة ومخالفتها فيقال إن إظهار المعجزة في يد الكذب مخالفا للمصلحة فلا يقع منه تعالى وكذا الكلام في الكذب ومخالفة الوعد وتارة يقال إن كلا من المذكورات نقص فلا يمكن في حقه تعالى سبحانه وقد نص الأشاعرة في الاحتجاج على استحالة الكذب عليه تعالى بأنه نقص والنقص عليه تعالى محال ثانيهما أنه لا ملازمة بين جواز وقوع تلك الأفعال من الله تعالى ووقوعه منه بل يصح أن يقال بإمكان وقوعها منه تعالى مع القطع بعدم الوقوع إذ لا منافاة بين العلم بشيء واحتمال خلافه بمقتضى الإمكان فتارة نقول بجريان العادة على عدم وقوع الأمور المذكورة منه تعالى وهي كافية في القطع بعدم القطع كما أنه نقطع بعدم انقلاب الجبل ذهبا بعد غيابنا