الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
431
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
للفرق بينهما مذكورة في كلماتهم منها عدم جواز النسخ القطعي بالظني كنسخ الكتاب بالخبر الواحد ومنها أن النسخ يخرج المنسوخ عن الحجية بخلاف التخصيص فإنه يبقى حجة في الباقي ومنها أن النسخ يجوز أن يزيل مدلول ما يرد عليه من الحكم بالمرة بخلاف التخصيص فإنه لا بد من بقاء بعض من مدلوله لبطلان التخصيص المستوعب ومنها أن التخصيص لا بد أن يكون قبل حضور وقت العمل به لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ومنها أنه لا بد أن يكون النسخ بعد حضور وقت العمل به على القول به كما سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى قوله لا ريب في جواز النسخ ووقوعه إلى آخره قد وقع هنا خلاف ضعيف في المقامين وقد اتفق عليها أهل الشرائع سوى ما يحكى عن طائفة من اليهود [ المطلب الثامن في الأدلة العقلية . ] قوله ره المطلب الثامن إلى آخره قد تقرر أن أدلة الأحكام عندنا أربعة الكتاب والسنة والإجماع والعقل وقد مر تفصيل القول في ثلاثة منها بقي الكلام في الأدلة العقلية والمصنف رحمه الله لم يتعرض إلا لبعض المسائل المعدودة منها ونحن بعون الله سبحانه وحسن توفيقه نفصل الكلام في أقسامها وتميز الصحيح من المزيف منها وتوضيح القول في وجوهها وشعبها إن شاء الله فنقول المراد بالدليل العقلي كل حكم عقلي يستنبط منه حكم شرعي سواء حكم به العقل استقلالا من دون رتبة على حكم شرع أو كان حكم العقل به مترتبا على ثبوت حكم آخر ولو من جهة الشرع ثم يترتب على ذلك الحكم العقلي حكم شرعي آخر وعلى الأول إما أن يكون ما حكم به العقل أمرا ثابتا لموضوعه في نفسه بحسب الواقع أو يكون ثابتا له بالنظر إلى ظاهر التكليف وإن لم يكن كذلك بحسب الواقع ونفس الأمر فهذه أقسام ثلاثة والأول مسألة التحسين والتقبيح العقليين والملازمة بين حكمي العقل والشرع والثاني مسائل الملازمات كاستلزام وجوب الشيء ووجوب مقدمته واستلزام وجوب الشيء حرمة أضداده فإن العقل أولا لا يحكم بوجوب المقدمة ولا بحرمة الضد وإنما يحكم بهما بعد الحكم بوجوب الشيء ولو من جهة حكم الشرع به فهو إذن حكم عقلي تابع لحكم الشرع والظاهر أن ما كان اللزوم فيها بينا بالمعنى الأخص خارج عن الأدلة العقلية لاندراجه إذن في المداليل اللفظية فيندرج في مداليل الكتاب والسنة وعلى هذا فدرج بعضهم مباحث المفاهيم في هذا القسم ليس على ما ينبغي ومن الثالث أصالة البراءة والإباحة عند عدم قيام دليل على الوجوب والحرمة فإن مقتضاهما جواز الترك والفعل في ظاهر الشرع وإن كان الفعل واجبا أو محرما بحسب الواقع كما سيجيء تفصيل القول فيهما إن شاء الله وقد يورد في المقام أن القسم الأول وهو ما يستقل العقل بإدراكه لا يصح عده من أدلة الأحكام فإن الدليل ما يستدل به العقل على الحكم فيما يحتاج إلى الاستدلال والعقل في المقام هو الحاكم والمدرك للحكم كما أن الشارع حكم به فكما لا يعد الشارع دليلا على الحكم بحسب الاصطلاح فكذا العقل وأجيب عنه بأنه ليس المقصود من ذلك كون نفس العقل دليلا بل المدعى كون حكم العقل دليلا على ما حكم به فالدليل هو تحسين العقل وتقبيحه وحكمه باستحقاق المدح والذم والثواب والعقاب ومدلوله من الأحكام الشرعية من الوجوب والتحريم وغيرهما مما دل العقل عليه وهذا المدلول هو ما حكم به ودل العقل عليه وفيه أن حكم العقل وإدراكه ليس دليلا على المحكوم به بل الدليل هو الأمر الموصل إلى الإدراك المفروض المقدمتين أو الحد الأوسط فالحق في الجواب أن يقال إن الدليل في المقام هو حكم العقل بحسن الفعل أو قبحه عقلا فإنه دال على حكم الشارع به أيضا نظرا إلى ما دل على الملازمة بين حكمي العقل والشرع نعم قد يجعل متعلق إدراك العقل نفس حكم الشرع حيث يدرك العقل أولا كون ذلك مما حكم به الشرع وحينئذ لا يصح عد الحكم المذكور دليلا على حكم الشرع لكن إمكان الفرض المذكور لا يخلو عن نظر إذ لا مجال ظاهرا في إدراك ذلك إلا بتوسط حكمه بالتحسين والتقبيح وحكمه بانطباق الحكم الشرعي على ما حكم به حسب ما يقتضيه القواعد العقلية فإن ما مدرك حكم الشرع حينئذ بالملازمة المذكورة ويكون الدليل على حكم الشرع حينئذ هو ما حكم به من التحسين والتقبيح على ما قررنا وكيف كان فعلى فرض وقوع ما ذكر من الفرض يكون الدليل العقلي هو ما يوصل العقل إلى الحكم المفروض لا نفس حكمه هذا إذا كان حكمه نظريا وإن كان ضروريا لم يمكن عده إذن من الأدلة بحسب الاصطلاح وكان العقل بالنسبة إليه دليلا مبنيا على معناه اللغوي حيث إنه الهادي إليه لكن دعوى حصول الضرورة في الإدراك غير ظاهر حسبما يأتي الإشارة إليه هذا وقد ظهر بما قررنا أن هنا أمرين أحدهما إثبات حكم العقل بالنسبة إلى التحسين والتقبيح ثانيهما كون حكمه به دليلا على حكم الشرع والثاني من مسائل الأصول إذ مفاده إثبات حكومة العقل وليس بحثا عن الأدلة بل إثبات لما يدعى دلالته على حكم الشرع والثاني من مباحث أصول الفقه نظير إثبات حجية الكتاب وخبر الواحد وغيرهما من الأدلة فالأول مباد للثاني حيث إنه يتحقق موضوع البحث فيه وحيث كان مقصودهم من المبادي الأحكامية لإثبات حكومة العقل جرت الطريقة على بيان مسألة التحسين والتقبيح العقليين في المبادي الأحكامية دون الأدلة الشرعية نظرا إلى ملاحظة الجهة المذكورة واكتفوا بذكرها هناك من بيانها في مباحث الأدلة حذرا من التكرار وربما يحصل الوجه فيه به تدور المسائل المتفرعة عليها لكون ما يستقل به العقل بإدراكه من المسائل على الوجه المذكور من الأمور الواضحة في الشريعة بل الضرورة الخارجة من عداد المسائل الفقهية فلذا لم يذكروها في طي الأدلة وأدرجوها في المبادي الأحكامية وهو كما ترى هذا ولنورد الكلام في تلك الأقسام على فصول الفصل الأول في بيان استقلال العقل بإدراك حكم العقل بحسب العقل وأنه من الأدلة على حكم الشرع مع قطع النظر عن توقيفه وبيانه له على لسان حججه وهو الذي ذهب إليه علماؤنا الإمامية بل وأطبقه عليه العدلية بل قال به أكثر العقلاء من الحكماء والبراهمة والملاحدة وكثير من الفرقة المثبتة للشرائع والنافية وقد أنكر ذلك الأشاعرة وطائفة من متأخري علمائنا الأخبارية في الجملة ومن يحذو حذوهم إلا أن الأشاعرة قد أنكروا ثبوت المحكوم به رأسا فلزمهم إنكار إدراك العقل له وكونه دليلا على حكم الشرع فليس عندهم بحسب الواقع ما يتعلق به