الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

432

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إدراك العقل إذ لا حسن ولا قبح عندهم للأفعال مع قطع النظر عن حكم الشرع فلا حكم للعقل في التحسين والتقبيح أصلا ولا حسن ولا قبح عندهم مع قطع النظر عن حكم الشرع بل كان الأفعال عندهم سازجة قابلة لكل من الأمرين بواسطة أمر الشارع ونهيه فهي في نفسها مع قطع النظر عن تعلق الأمر والنهي بها خالية عن الصفتين فاقدة للأمرين وأما الجماعة المذكورة فلا يظهر منهم إنكار الحسن والقبح الواقعيين على ما يقوله الأشاعرة بل الظاهرة اعترافهم به كما هو مذهب العدلية ودلت عليه النصوص المستفيضة بل المتواترة في الجملة وإنما ينكر جماعة منهم صحة إدراك العقل في غير ضروريات الدين والمذهب وبعضهم ينكر المطابقة بين حكم العقل وما حكم به الشرع وإن كان العقل مطابقا لما هو الواقع فلا تعد الحكم شرعيا ويحكم بوجوب الأخذ به ما لم يرد الحكم به من الشرع حسب ما يأتي تفصيل القول في نقل أقوالهم وأدلتهم إن شاء الله وإنما ينكرون حجية إدراك العقل أو وقوع التعبد به في الشرع على ما يأتي تفصيل القول فيه إن شاء الله وتوضيح المقام أن الكلام في المرام يقع في مقامات أحدها أنه هل يثبت للأشياء مع قطع النظر عن حكم الشرع وتعلق خطابه بها أحكاما عقلية من حسنها وقبحها ليكون حكم الشرع على وفق مقتضياتها كاشفة عن تلك الصفات الواقعية الحاصلة لهما فيكون تشريعه للشرائع من جهة إرشاده العباد إلى ما فيه صلاحهم وتحذرهم عما يترتب عليه فسادهم لقصور عقلهم عن إدراك ما فيه هلاكهم ونجاتهم أو أنها لا حكم لها بملاحظة أنفسها مع قطع النظر عن أمر الشارع بها أو نهيه عنها فهي حسنة بأمره قبيحة بنهيه خالية عن الأمرين مع انتفاء الخطابين وهذا هو الذي ذهب إليه الأشاعرة والظاهر مما حكاه إنكارهم للحسن والقبح بالمعنى الأول بعد خطاب الشرع أيضا وإنما حسنها وقبحها عندهم هو مجرد كونها متعلقة لأمر الشارع ونهيه من غير استحقاق مدح العقل على الامتثال أو ترتب ذم على تركه وهذا هو الظاهر من مذهبهم لأنهم يعزلون العقل من منصب الحكومة بالمرة فلا فرق عندهم في نفي حكم العقل باستحقاق المدح والذم بين ما إذا كان قبل تعلق أمر الشارع ونهيه وبعده أو كونه متعلقا لذلك وجه من الوجوه واعتبار من الاعتبارات المحسنة والمقبحة عند العقل على مذهب العدلية ضرورة أن طاعة المولى والمنعم الحقيقي من أعظم الجهات المحسنة وكذا عصيانه ومخالفته من أعظم الوجوه المقبحة وقضية أدلتهم الآتية نفي الحكومة عن العقل كيف ولو جوزوا حكمه في المقام لجرى في غيره أيضا فالظاهر أنهم يجوزون أن يجعل الشارع من أطاع أوامره موردا للذم ومن عصاه موردا للمدح كما يقتضيه أدلتهم فينعكس الأمر فما في شرح المواقف وحاشية القوشجي من تفريع استحقاق المدح والذم على تعلق الأمر والنهي عندهم وأن استحقاق المدح والذم أنما كان بسبب أمر الشارع بالفعل ونهيه محسنة ليس على ما ينبغي فليس الحسن والقبح عندهم إلا مجرد كونه متعلقا حكم الشارع باستحقاق المدح على فعله وحكمه باستحقاق الذم عليه كما نصوا عليه ومنهم الرازي في الأربعين وغيره ثم إن الكلام في هذا المقام في الإيجاب والسلب الكليين فكل من المثبتين والنافين يقول به كليا وينفيه كذلك والقول بالتفصيل وإن أمكن إلا أنه حكي الاتفاق على خلافه وإن كان للمناقشة فيه مجال كما سيأتي ثانيها أن العقل هل يدرك حسن الأفعال وقبحها من غير إعلام الشارع بهما وبيانه لشيء منهما فالأشاعرة المنكرون لأصل الحسن والقبح العقليين يلزمهم نفي ذلك رأسا وأما الآخرون فالمعروف بينهم جواز ذلك وحصوله في بعض المطالب وقد أنكر ذلك جماعة منهم المحدث الأسترآبادي حيث ذهب إلى أنه لا اعتماد على شيء من الإدراكات العقلية في غير ضروريات فلا يثبت شيء من الحسن والقبح الواقعيين بإدراك العقل وبني الأمر في ذلك على أن الأمور المبنية على المقدمات البعيدة عن الإحساس مما تكثر فيه وقوع الغلط والالتباس فلا يمكن الركون إلى شيء منهما ومحصله نفي الإدراك المعتبر وأن ما يتراءى من إدراكه فليس بإدراك على وجه الحقيقة لتصح الاعتماد عليه وقد تبعه في ذلك الفاضل الجزائري وقرره في غير واحد من كتبه إلا أنه نص على أن ما كان من البديهيات يمكن الاستناد فيه إلى العقل وأنه الحجة فيه وما كان من النظريات لا يصح الاستناد فيه إلى العقل أصلا وكأنه أراد بالبديهي ما كان بديهيا عند أرباب العقول دون ما كان بديهيا عند المدرك من غير طريق الإحساس وإن كانت المسألة من نظريات الدين كما يظهر ذلك من التأمل في كلامه وأدلته فيرجع إلى ما ذكره المحدث المذكور وقد نص أيضا كالمحدث المتقدم بانحصار المدرك في غير ضروريات الدين بالأخبار المأثورة عن الصادق عليه السلام وقد تبعها في المقالة المذكورة صاحب الحدائق إلا أن في كلامه بعض خصوصيات نشير إليه بعد ذلك وكيف كان فمحصل كلام هؤلاء ومن تبعهم في ذلك عدم الاعتماد في أمر الدين أصوله وفروعه على الإدراكات العقلية بل لا اعتماد على شيء من إدراكات العقول في شيء من الأحكام التي مباديها غير محسوسة ولا قرينة من المحسوسة كمسائل الهندسة إلا ما كان من قبيل البديهيات الواضحة المتلقاة بالقبول عند أرباب العقول وذهب بعض أفاضل المتأخرين من علمائنا الأصوليين إلى التفصيل من العلم الحاصل للعقل بطريق الضرورة والحاصل بطريق الاكتساب والنظر فحكم بصحة الاعتماد على الأول دون الأخير وكان الفرق بينه وبين كلام الجماعة أنه يقول بالاعتماد على العلم البالغ إلى حد الضرورة مطلقا سواء كان مما تألم فيها العقول أو كان ضروريا عند المستدل وإن نازع غيره في كونه ضروريا أو في أصل ثبوته لتفاوت العقول في قبول العلوم والإدراكات وهم لا يقولون بالاعتماد على الضروريات إلا فيما اتفق العقول عليها حسبما أشرنا إليه وسيبين ذلك من ملاحظة أدلتهم الآتية بعون الله تعالى وقد يتعدّد هنا قول من أسنده بعضهم إلى بعض المتأخرين وهو التفصيل بين المعارف الدينية والأعمال البدنية فقال بحجيته في أصول الدين دون الفروع وهذه جملة الأقوال في المقام والكلام هنا إنما هو في الإيجاب الجزئي والسلب الكلي إذ لا يعقل ادعاء الموجبة الكلية في المقام ولا يذهب عليك أنه بناء على مذهب الأشعري ليس للعقل إدراك شيء من الحسن والقبح الشرعيين لكون الحكم عنده توقيفيا متوقفا على توقيفه وبيانه كالأوضاع اللفظية فليس للعقل فيها مدخلية نعم قد يحصل العلم بها على سبيل الإبهام ونحوه وعلى فرض تحققه لبعض من طريق العادة ويمكن إرجاعه إلى النقل إذ به دل العقل