الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

430

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

أن لا يكون موجودا ولا معدوما إذ بعد تعادل العلتين لا يمكن ترجيح إحدى العلتين على الآخر من دون مرجح فيلزم انتفاء الأمرين وهو رفع للنقيضين والحال أنه لا معارضة بين العلتين أما على القول باستغناء الباقي عن المؤثر فظاهر إذ البقاء لا يستند إذن إلى علة فيكون علة العدم إلى الوجود الطاري عليه من دون مزاحم وأما على القول بالاحتياج فطرو الثاني إنما يكون برفع علة الأول وجودا كان أو عدما ولو برفع جزء من أجزاء تلك العلة لوضوح عدم إمكان اجتماع العلتين التامتين لوجود الشيء وعدمه وإلا لزم المفسدة المذكورة وهو ظاهر والخامس أن مجرد المنافاة بين الحكمين لا يستلزم وجوده الطاري مشروطا بزوال السابق كيف والمنافاة بين وجود العلة وعدم المعلول ظاهرة مع وضوح عدم اشتراط وجود العلة بانتفاء عدم المعلول يعني وجوده وفيه أنه ليس بناء الاحتجاج على إثبات الاشتراط بمجرد ثبوت المنافاة بل لما ذكر من الدليل القاضي بثبوت الاشتراط وحينئذ فالحق في الجواب أنه ليس المراد كون الحكم الطاري بنفسه رافعا للحكم الأول إذ قد لا يخلف الحكم المنسوخ حكم آخر من الشرع بل المقصود رفعه بالدليل الطاري القاضي برفعه ومن البين عدم قيام الدليل بمحل الحكم ورود المفسدة المذكورة وحينئذ فالدليل المفروض وإن قضي بثبوت حكم آخر بدل المنسوخ فذلك الدليل هو الرافع للحكم الأول وعن السادس أنه إن أريد به لزوم انكشاف شيء لم يتبين له أولا فهو فاسد إذ لا يلزم من القول بالرفع عدم علمه بوجوه المفاسد والمصالح ولا يلزم من علمه بها عدم تشريعه الحكم على وجه الدوام حسبما عرفت وإن أريد به لزوم نفيه شيئا بعد إثباته له أولا فهذا مما لا مفسدة فيه ولا دليل على فساده وعن السابع أنه منقوض بسائر الممكنات فإنها من جهة تعلق علمه بوجودها أو عدمها يستحيل وقوع خلافه نظرا إلى ما ذكر فتكون إذن واجبة أو ممتنعة بالذات وهذا خلف والحل أن أقصى ما يلزم من ذلك على فرض صحته استحالة وجود ذلك الحكم في الزمان اللاحق وهو لا يقضي باستحالته بالذات لكونها أعم من الذاتي والعرضي فأي مانع من أن يكون محالا من جهة وقوع الرافع بالناسخ وعلمه بذلك فقوله امتنع أن يكون ممتنعا بغيره بين الفساد والحاصل أنه تعالى كما يعلم بانتفاء الحكم في الزمان اللاحق كذا يعلم كون ذلك الانتقاض من جهة رفعه الحكم بالناسخ هذا وقد ذكروا حدودا أخر للنسخ قد أخذ الإزالة في عدة منها جنسا وهو بمعنى الرفع وفي عدة منها أخذ اللفظ وما بمعناه كالنص والخطاب جنسا فحده الغزالي بأنه الخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثانيا مع تراخيه عنه والآمدي بأنه خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق وعن المعتزلة أنه اللفظ الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا وعن الجويني أنه اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول وعن الفقهاء أنه النص الدال على انتهاء مدة الحكم الشرعي مع الآخر عن مورده وعنهم أيضا أنه الخطاب الثاني الكاشف عن هذه العبارة أو عن انقطاع زمان العبارة وأنت خبير بأن أخذ اللفظ وما بمعناه جنسا في المقام غير مناسب لوضوح كون النسخ فعلا حاصلا باللفظ المفروض وإن قلنا بكون الناسخ هو اللّه سبحانه فإن النسخ فعله لا مجرد قوله فهو بقوله الدال على الرفع قد رفع الحكم المتقدم وليس نفس قوله رفعا ولذا لا يصح حمله عليه وإن قلنا بكون التخصيص هو القول المفروض كما حكي عن المعتزلة فالأمر ظاهر مما يستفاد من الآمدي من بناء ذلك على الناسخ حقيقة هو الله سبحانه أو الخطاب الصادر منه فعلى القول بكون الناسخ هو الله بكون النسخ هو خطابه الصادر عنه وإن قلنا بكون الناسخ هو الخطاب كما أن المنسوخ هو الخطاب لا يكون نفس الخطاب نسخا بل النسخ الأثر الحاصل من الخطاب المفروض ليس على ما ينبغي كيف ولا يتحقق النسخ عندهم إلا بالنسبة إلى تعلق الخطاب وأما نفس الخطاب فهو تقديم عندهم فلا يكون ناسخا ولا منسوخا فالمرتفع هو تعلق الخطاب والنسخ رفع ذلك التعلق فكيف يصح القول بكون الخطاب الثاني أو تعلقه عين رفع الأول فما كان ما ذكره من الخطاب الأول منسوخا والثاني نسخا ولو سلم شيء على التسامح في التعبير هذا وقد ظهر بما قررنا في تفسير النسخ الفرق بينه وبين التخصيص إذ ليس التخصيص إلا بيانا لمفاد العام ووافقه لدلالته على العموم بحمله على إرادة الخاص بخلاف النسخ فإنه رافع لمدلول النسخ من دون بعث على خروج اللفظ عن ظاهره واستعماله في غير ما وضع له حسبما أشرنا إليه هذا إن جعلنا النسخ رفعا للحكم على سبيل الحقيقة وأما إن جعلناه رافعا له بالظاهر نظرا إلى ما ظهر من قيام المنسوخ فبعد ظهور النسخ يكون كاشفا مبنيا عن انتهاء مدة الحكم وأن غايته في الواقع بلوغ ذلك الزمان فلا فرق بينه وبين التخصيص في ذلك إنما الفرق بينهما إذن في كون النسخ تخصيصا للحكم ببعض الأزمان والتخصيص بالنسبة إلى الأحوال والأفراد فهو إذن بحسب الحقيقة نوع من التخصيص وإن فارقه في بعض الأحكام بل يندرج في التخصيص المعروف إن كان هناك عموم لغوي يفيد شمول الحكم للأزمان وإلا كان تقييد الإطلاق ما دل على شمول الحكم كذلك ولذا جاز اتصاله إذن بالخطاب الأول كأن يقول افعل هذا إلى الزمان الفلاني أو انفصاله عنه كأن يقول بعد مضي مدة زمن الخطاب الأول إن ما ذكر من استمرار الحكم إنما أريد استمراره إلى هذا الزمان فهذا بالنسبة ما دل على شمول الحكم للأزمان تخصيص لا رفع فيه وبالنسبة إلى نفيه الحكم الثابت نسخ حيث رفع الحكم الثابت هذا مع تراخيه وأما مع الاتصال فليس إلا تخصيصا إذ لا ثبوت للحكم إذن على وجه الدوام حتى يكون ذلك المخصص رافعا له وكيف كان فالفرق بينه وبين التخصيص حينئذ كون النسخ رفعا للحكم الثابت بحسب الظاهر بخلاف التخصيص إذ هو بيان صرف ولذا لا يجوز اقتران النسخ بالخطاب وإن جاز اقترانه به على جهة الإجمال بأن يقول إن هذا الحكم يستنسخ عنكم أو يقول افعلوا كذا إلى أن أرفعه عنكم ونحو ذلك وقد اعتبروا في مفهومه أيضا كون الحكم الأول شرعيا وكون الرافع له شرعيا أيضا فلو ارتفع بالفعل كزوال القدرة لم يكن نسخا فإذا تحقق الأمور الثلاثة ثبت مفهوم النسخ والافتراق بينه وبين التخصيص حاصل من الوجوه الثلاثة بل الأربعة وهناك آخر