الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

429

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

تخصيص في الأزمان كما أن التخصيص المعروف تخصيص في الأعيان ففيه أن الظاهر أن ذلك غير قابل للإنكار وليس مما يقع فيه الخلاف فيعود النزاع إذن لفظيا إلا أن ذلك خلاف الظاهر من كلام القائل بكونه رافعا في مقابلة من يقول بكونه بيانا وحينئذ يكون الرفع المذكور في الحد مجازا لإثبات استعماله في الحدود قلت ويمكن رفع ذلك باختيار كون المراد هو الرفع بحسب الواقع والمقصود أنه قد وقع أولا تشريع الحكم على وجه الدوام مع اختصاص المصلحة المرجحة لذلك ببعض الوقت ثم دفع ذلك الحكم عند انتهاء ما يقتضيه المصلحة المفروضة فهو رفع للمدلول لا رفع للدلالة ليكون تصرفا في اللفظ الدال على الحكم وقرينة على كون المراد به خلاف ظاهره على ما هو الحال في المخصص والقرائن الدالة على التجوز في اللفظ وتشريع الحكم على وجه الدوام مع اختصاص المصلحة ببعض الوقت مما لا مانع منه إذا كان هناك مصلحة قاضية بتشريعه كذلك ثم نسخه بعد ذلك وهذا مبني على القول بكون الطلب المراد من الأمر هو إنشاء اقتضاء الفعل سواء وافق الإرادة القلبية من الأمر لوقوع الفعل أو لا نظرا إلى اختيار مغايرة الطلب للإرادة بالمعنى المذكور كما هو المختار حسبما مر تفصيل القول فيه فإنه حينئذ يصح إنشاء طلب الفعل واقتضاؤه من المكلف وإن لم يكن له مصلحة فيه إذا كان هناك مصلحة في الاقتضاء المذكور ولا فرق بينه وبين ما فيه مصلحة للمكلف بالنسبة إلى حصول التكليف في الاقتضاء فغاية الأمر أنه يرفع ذلك التكليف وينسخه عند زوال المصلحة وهذا بخلاف ما إذا قيل بكون الطلب عين إرادة الفعل على الوجه المفروض أو بعدم حصول حقيقة الطلب من دونه فلا يتصور إذن حصول حقيقة الطلب على وجه الدوام مع عدم إرادته وقوع الفعل في الزمان اللاحق وعلمه بنسخ ذلك الفعل فليس ذلك الطلب المتعلق بالفعل بالنسبة إلى ذلك الزمان إلا صوريا خارجا عن حقيقة الطلب على القول المذكور فلا يتحقق هناك تكليف بحسب الواقع بالنسبة إلى ما قبل ورود الناسخ دون ما بعده وإذا برز الجميع أولا بصورة واحدة فيكون النسخ إذن كاشفا عن ذلك مبينا لحقيقة الحال فمع البناء على الوجه المذكور كما هو ظاهر المعروف عن الأصحاب لا يمكن أن يكون النسخ رافعا للحكم إلا بالنظر إلى الظاهر من دون أن يكون هناك رفع للحكم ثابت بحسب الواقع لولا حصول الرفع المفروض فهو في الحقيقة قرينة معينة للمقصود قاضية بالخروج عن ظاهر اللفظ بخلاف البناء على الوجه الأول الذي اخترناه فإنه يجوز أن يكون رفعا إذا حصل التكليف على الوجه الذي قررناه وأن يكون بيانا لما هو الرافع رفعا بالنسبة إلى ما أفاده الظاهر قبل ظهور الناسخ إذا وقع التكليف في الوجه الثاني فعلى المختار يجوز وقوع التكليف في كل من الوجهين المذكورين ويتفرع على كل حكمه من حصول النسخ بالبيان أو الرفع ويكون إذن تعيين كل من الوجهين بملاحظة الدليل الدال على ذلك نصا وظاهرا هذا كله بالنسبة إلى أوامر الشرع كما هو محل الكلام وأما بالنظر إلى غيره فلا إشكال في صحة وقوع النسخ على كل من الوجهين فظاهر هذا ما يقتضيه التدبر في المقام وقد احتج القائل بكونه بيانا لا رفعا بوجوه موهونة لا بأس بالإشارة إليها أحدها أن المرفوع إما الحكم الموجود أو غيره ولا سبيل إلى شيء منهما أما الأول فللزوم سلب الشيء عن نفسه نظرا إلى أن رفع الحكم الموجود عنه خيرة كونه موجودا وأما الثاني فللزوم تحصيل الحاصل فتعين أن يكون بيانا لا رفعا ثانيها أن طرو الطاري إن كان حال كون الأول معدوما وما لم يكن رافعا لوجوده كما هو المدعى وإن كان حال كونه موجودا فقد اجتمعا في الوجود فلا يتباينان حتى يكون رافعا له ثالثها أن الحكم هو الخطاب فهو قسم من الكلام ومع قدم الكلام يتصور رفعه رابعها أن الحكم الطاري ضد للسابق لامتناع اجتماعهما فالقول برفع اللاحق للسابق ليس بأولى من رفع اللاحق بالسابق إذ لا وجه لقوة اللاحق أقصى الأمر أن يتساويا خامسها أن طريان الطاري مشروط بزوال السابق لامتناع اجتماع الضدين فيشترط في وجوده انتفاء ضده لكونه مانعا من حصوله وانتفاء المانع من جملة الشرائط وأيضا طريان الطاري مشروط بمحل يطرد عليه وليس كل محل قابلا لحلول كل عرض بل لا بد من محل خاص قابل لعروضه وإنما يكون قابلا إذا خلا عن ضده فإذا ثبت توقف طرو الطاري على زوال الباقي فلو كان زوال الباقي موقوفا بطريان الطاري لزم الدور سادسها أنه يستلزم البداء فإنه إذا نهي عن الشيء بعد أن أمر به فقد بدا حتى عدل عن الأمر إلى النهي سابعها أن علمه تعالى أن تعلق باستمرار الحكم استحال رفعه وإلا لزم انقلاب علمه تعالى جهلا وإن تعلق باستمراره إلى الوقت المعين بطل القول بالرفع إذ لا يقال له إلى ذلك الوقت بل يستحيل وجوده فيه للزوم انقلاب علمه تعالى جهلا وإن كان ممتنع الوجود لذاته امتنع أن يكون ممتنعا لغيره ويدفع أنها شبهة مصادفة للضرورة قاضية بعدم إمكان رفع الشيء من الأشياء لجريان الكلام المذكور بعينه في كل منها مثلا يقال إن الحياة الزائلة بالقتل إما الموجودة عين وجود السبب المعروض أو المعدوم إلى آخره ويقال إن الزائل بسبب كسر الآنية إما الشكل حين وجوده أو حين عدمه إلى آخره والحال أنه ليس المراد رفعه بالنسبة إلى حال وجوده بل بالنسبة إلى الحالة الثانية لكن لما كان مقتضى وجوده في الحالة الثانية حاصلا لولا الطاري المذكور كان العدم الحاصل بسببه مع وجوده مقتضية رفعا بخلاف ما إذا لم يكن هناك مقتض للبقاء في الحالة الثانية والثاني أن طرو الطاري مقارن لعدم المسبب عنه نظرا إلى لوازم مقارنة السبب للمسبب بحسب الزمان فهو سبب لانتفاء استمرار وجوده مع قيام المقتضي للاستمرار وهو مفاد الرفع والثالث مع فساده في نفسه لابتنائه على الأصل الفاسد أنه ليس معنى النسخ رفع الكلام القديم بل مفاده قطع تعلقه بالمخاطب على نحو سائر الطواري القاطعة لتعلقه كالموت والإغماء والمجنون ونحوها وأورد عليه بأن التعلق إن كان عدميا استحال رفعه إذ ليس أشياء يرتفع وإن كان وجوديا فإن كان قديما استحال رفعه كالكلام وإن كان حادثا لزم كونه تعالى محلا للحوادث فإن التعلق صفة للخطاب والخطاب صفة له تعالى قائمة به والقائم بالقائم بالشيء قائم به وهو ما ذكر من اللازم وفيه كلام ليس هنا موضع ذكره والرابع بأنه شبهة مصادفة للضرورة فإنها لو تمت لزم أن لا ينعدم موجود ولا بوجود معدوم فإن المعدوم إنما يكون عدمه عن علة وكذا الموجود فعلة العدم تنافي الوجود كما أن علة الوجود تنافي العدم فإذا لم يكن إحدى العلتين أقوى من الآخر لزم ما ذكرناه بل لزم