الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

416

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من الظنون فإنه بناء على ثبوت العموم بحكم العقل لا يصح ورود التخصيص عليه في شيء من الصورتين على ما تقرر عندهم من عدم جواز التخصيص في القواعد العقلية قوله الثالثة حكى فيها أيضا عن بعض الأصحاب إلى آخره شهرة الحكم بين الأصحاب تداوله بينهم وذهاب الأكثر إليه سواء كان القول الآخر نادرا أو شائعا في الجملة ويعبر عنه حينئذ بالأشهر وقد تطلق على مطلق تداول الحكم بينهم وذهاب كثير منهم إليه وإن لم يبلغ إلى هذه الأكثرية ولذا يطلق المشهور على الحكمين المتقابلين كما يقال فيه قولان مشهوران والأغلب في إطلاق المشهور هو الوجه الأول وكأنه المقصود بالبحث في المقام ولها مراتب مختلفة في القوة والضعف نظرا إلى قلة القائلين به وقد أخرتهم في الظن وخلافه وكثرة القائلين به وشذوذ الآخر جدا وعدم بلوغها إلى تلك الدرجة ثم إنه قد يكون في مقابلة المشهور قول آخر وقد لا يعرف هناك قول بل يكون تردد من الآخرين وتوقف فيه أو سكوت منهم في الحكم ويندرج حينئذ في الإجماع السكوتي وليس بإجماع عندنا وقد لا يكون هناك تعرض من النافين للحكم بشيئين خلافهم أو وفاقهم ويندرج حينئذ في عدم ظهور الخلاف فيكون من بعض صور المسألة بل قد يستظهر عدم خلاف النافين أيضا فيكون من ظهور عدم الخلاف ويكون إجماعا ظنيا وهو أيضا يندرج في الشهرة ولو حصل هناك اتفاق بين الأصحاب من دون كشفه عن قول المعصوم عليه السلام كما قد يتفق في بعض الأحيان فالظاهر أيضا اندراجه في المشهور هذا وقد يكون الشهرة في الرواية والمراد بها كثرة الرواة الناقلين لها أو تداولها بين الأصحاب وذكرها في الكتب الكثيرة وإن كانت روايته بطريق واحد وقد يضم إلى ذلك تلقيهم بالقبول ولا يستلزم اشتهار الرواية ندور ما يقابلها بل قد يكون ذلك أيضا مشهورا وفي مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها دلالة عليه وقد يجتمع الشهرتان في بعض الأحيان وليست الشهرة في الرواية مقصودة بالبحث في المقام بل المبحوث عنه هنا هو الشهرة في الفتوى والمشهور بين الأصحاب من قدمائهم ومتأخريهم بل لا خلاف يعرف فيه بينهم إلا ممن عبر عنه الشهيد ببعض الأصحاب واستقر به عدم حجية الشهرة وعدم جواز الاتكال عليها بمجردها في إثبات الأحكام الشرعية والظاهر عدم حجيتها عند معظم العامة أيضا ولذا لم يتداول عدها في عداد الأدلة الشرعية في الكتب الأصولية ولا استندوا إليها في إثبات الأحكام في الكتب الاستدلالية بل زالوا يطلبون الدليل على الأحكام المشهورة ويناقشون في أدلتهم المذكورة ومن المثل السائر في الألسنة في مقام عدم الاعتداد بالشهرة رب مشهور لا أصل له نعم ربما استند إليها العلامة رحمه الله في المختلف في بعض المسائل على سبيل الندرة وليس ذلك اعتمادا منه على مجرد الشهرة بل لا يبعد أن يكون من قبيل ضم المؤيدات إلى الأدلة حسبما هو ديدنه في كتبه الاستدلالية كيف ولو كان ذلك حجة عنده لتنازع ذلك عنه وأشار إليه في كتبه الأصولية وتكثر استناده إليها في كتبه الاستدلالية وإنما ظهر الخلاف فيه عن نادر من علمائنا مجهول عبر عنه الشهيد رحمه الله ببعض الأصحاب واستقر به رحمه الله لكن نجد جريه عليه في كتبه الاستدلالية فقد لا تكون مقصودة بالاستقراب حكما أولا يكون مقصود القائل ومقصوده الاستناد إلى مجرد الشهرة بل المراد التمسك بالقطع بوجود المستند الشرعي من اتفاق الجماعة فيدور الحكم مدار ذلك القطع كما هو أحد الطرق المتقدمة في الإجماع فيكون مقصوده صحة التمسك به من جهة حصول ذلك القطع كما يومي إليه تعليله الأول وإن لم يكن مفيدا للقطع أو الظن بالواقع ويكون تعليله الثاني تأييدا له من جهة حصول الظن منها مطابقة للواقع بناء على عدم حجية مطلق الظن كما هو المفروض عندنا وبذلك يندفع التدافع المتخيل بين تعليله حسبما أورده بعض الأجلة كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله وكيف كان فقد حكي اختيار ذلك عن المحقق الخوانساري وربما يعزى ذلك إلى المصنف نظرا إلى كلامه الآتي مع ما ذكره في الدليل الرابع على حجية أخبار الآحاد وهو بعيد عن مذاقه جدا وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله وقد اختار بعض الأفاضل من متأخري المتأخرين حجيتها إذا لم يخل عن حجيته ولرواية ضعيفة ونحوها فصارت الأقوال فيها إذن ثلاثة والأقوى الأول ويدل عليه أمور أحدها الأصل فإن إثبات الحجية يتوقف على قيام الدليل عليه وحيث لا دليل على صحة الرجوع إليها والحكم بمقتضاها حسبما نقرره من ضعف متمسك المجيز لم يجز التعويل عليها مضافا إلى أن النواهي المتعلقة بالأخذ بالظنون شاملة لها من غير ريب فمع عدم قيام دليل على جواز الاتكال عليها لا يجوز الأخذ بها ثانيها أن المعلوم من حال الفقهاء قديما وحديثا أصولا وفروعا عدم الحكم بشيء بمجرد شهرته بين الأصحاب بل لا زالوا يطالبون بأدلة المشهورات ويتوقفون عن الحكم حتى ينهض دليل عليها وذلك أمر معلوم من ملاحظة تصانيفهم والتتبع في مناظراتهم واحتجاجاتهم قد استمرت عليه طريقتهم بحيث لا مجال لإنكاره حضار ذلك إجماعا من الكل كيف ولو كانت الشهرة حجة عندهم لكان من أبين الحجج وأوضحها وأظهر الأدلة وأكثرها وأقلها مؤنة وأسهلها وشاع الاحتجاج بها عندهم وكانت أكثر دورانا من الحجج مع أن الأمر بعكس ذلك فإنا لم نجد أحدا من المتقدمين والمتأخرين قد تمسك بها في مقام الاحتجاج على شيء من المطالب إلا ما يؤخذ في بعض كلمات العلامة رحمه الله في شذوذ من المقامات من التمسك بها وهو من قبيل ضم المؤيد إلى الدليل على ما هو طريقته حسب ما أشرنا إليه ويدل عليه أيضا أنهم لم يعتدوا لها في الكتب الأصولية ولا ذكروها في عداد الحجج الشرعية كما عدوا الإجماع وغيره من الحجج الوفاقية والخلافية مع أنه أولى بذلك لكثرة حصولها وسهولة تحصيلها وتحصل من جميع ما ذكرنا اتفاقهم من قديم الزمان إلى الآن على المنع من العمل بها والتعويل عليها والرجوع إليها فصار ذلك إجماعا من الكل وقد عرفت أن الإجماع من أقوى الحجج الشرعية نعم في المطالب التي يتسامح في أدلتها من السنن والآداب لا مانع من الرجوع إليها والأخذ بها بل ربما يؤخذ فيها بفتوى الفقيه الواحد أيضا حسبما فصل في محله ثالثها أنها لو كانت حجة لم يكن حجة لوضوح قيام الشهرة على عدم حجية الشهرة وما يلزم من وجوده عدمه فهو باطل وبتقرير آخر أنه إما أن يقال بعدم حجية الشهرة