الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

417

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

مطلقا أو بحجيتها كذلك أو بحجيتها في بعض المقامات دون البعض والأول هو المدعى والثاني باطل لما فيه من التناقض نظرا إلى قيام الشهرة على عدم حجية الشهرة فلو أخذ بمقتضى الشهرة المتعلقة بالمسائل الفرعية لزم ترك الشهرة المتعلقة بعدم حجية الشهرة مع أنها من أقوى المشهورات والثالث ترجيح من غير مرجح إذ لا مرجح بينها حتى يقال بحجية بعض المشهورات دون بعضها من دون قيام معارض يقاومها أو يترجح عليها ويرد عليه أولا منع قيام الشهرة على عدم حجية الشهرة مطلقا وإنما المسلم شهرة القول بعدم حجية الشهرة إذا خلا عن المستند ولو كان ضعيفا كرواية ضعيفة ونحوها وأما إذا كان مستندا إلى دليل ولو كان رواية ضعيفة فحصول الشهرة بعدم حجيتها غير واضح بل المشهور عندهم خلافه حيث إنهم يعتمدون على الشهرة المقترنة بالرواية الضعيفة ويحكمون بمقتضاها فأقصى الأمر حينئذ عدم حجية الشهرة المجردة الخالية عن المستند لا مطلقا وثانيا إنما نقول بحجية الشهرة فيما إذا لم يعارضها معارض أقوى على ما هو شأن الحجج الظنية وحينئذ نقول إن الشهرة القائمة على عدم حجية الشهرة معارضة بالدليل القطعي القائم على حجية الظنون عند انسداد باب العلم على ما مر تقريره ومن البين أن الظن لا يقاوم القطع ومع الغض عنه فهناك أدلة ظنية قاضية بحجية الشهرة كما سنشير إليها ولا يقاومها الظن الحاصل من الشهرة فلا بد من تركها ومن ذلك يظهر ضعف التقرير الثاني فإنا نقول بحجية الشهرة مطلقا فيما لم يعارضها معارض أقوى لا مطلقا وقد ظهر بذلك أيضا اندفاع الحجتين الأوليين فإن الأصل يخالف لدليل ومن البين أن القائل بحجية الشهرة يتمسك في ذلك بالدليل حسبما يأتي بيانه والإجماع المدعى لو سلم فإنما يسلم في الشهرة المجردة دون المنضمة إلى متمسك ولو كان ضعيفا حسبما أشرنا إليه وفي ذلك كله نظر سيأتي تفصيل القول فيه إن شاء الله حجة القول بحجيتها مطلقا أو فيما إذا لم يخل عن مستند أصلا ولو رواية ضعيفة لا يجوز التمسك بها بنفسها أمور منها الوجهان المذكوران في كلام الشهيد رحمه الله والأول منهما ضعيف جدا حسبما قرره المصنف ومر الكلام فيه إلا أن يرجع إلى الوجه الثاني والثاني مبني على قاعدة الظن والبناء على حجيته إلا ما قام الدليل على خلافه وإن لم ينهض عليه في الاحتجاج لوضوح أن مجرد حصول الظن أو قوة الظن لا يقتضي بجواز الاعتماد عليه ما لم يلاحظ معه أصالة حجية الظن ويمكن إرجاعه أيضا إلى بعض الوجوه الآتية كما سنشير إليه إن شاء الله ومنها قيام الاتفاق على حجية جملة من الظنون مما هي أضعف من الظن الحاصل من الشهرة قطعا وهي قاض بحجية الظن الحاصل من الشهرة بالأولى ألا ترى أنهم يقولون بحجية أخبار الآحاد مع أن فيها من جهات الوهن ما لا يحصى لابتناء الاحتجاج بها على معرفة أحوال رواتها وتعيين الراوي المشترك ولا يكون شيء منها غالبا إلا بإعمال ظنون ضعيفة وأمارات خفية وكذا الحال في تصحيح دلالتها ومعرفة مفاد الألفاظ الواردة فيها إفرادا ومركبا وكذا العلاج في التعارض الحاصل بينها والحاصل أن جهات الظن فيها سندا ودلالة وعلاجا كثيرة جدا وكثير منها ظنون موهومة في الأغلب لا مناص لهم عن الأخذ بها والظن الحاصل من الشهرة أقوى بكثير من كثير منها ويرد عليه أن ما ذكره من قبيل القياس بالطريق الأولى المعبر بالقياس الجلي وهو من قبيل القياسات العامية لا حجة فيه عندنا نعم ما كان من قبيل مفهوم الموافقة بحيث يندرج في الدلالات اللفظية كان خارجا عن القياس وكان حجة وكان ذلك غير حاصل في المقام إذ ليس هنا لفظ يدل على حجية ما ذكر من الظنون الموصوفة ليكون التعدي عنها إلى ذلك مندرجا في مداليل الألفاظ أقصى الأمر أن يثبت حجيتها بالإجماع ونحوه فيكون التعدي عنها من قبيل القياس الجلي وقد يجاب عنه تارة بأن الإجماع ونحوه وإن لم يتضمنا لفظ الشارع صريحا إلا أنهما كاشفان عن قوله وليست حجيتهما عندنا إلا من جهة الكشف عن قوله وفي الحقيقة فهو الحجة لأنهما حينئذ مآلهما إلى اللفظ فإذا كان الأصل المذكور مستفادا من اللفظ كان ما يلزمه أيضا كذلك وإن لم يتعين ذلك اللفظ عندنا وأخرى بأن المناط في الرجوع إلى الأدلة الظنية هو تحصيل الواقع على سبيل الظن بعد انسداد سبيل العلم به وبعد تنقيح المناط المذكور كما هو ظاهر عند العقل السليم ثبت ذلك فيما نحن فيه بطريق الأولوية القطعية لحصول المناط هنا بالنحو الأقوى ومنها الروايات المستفيضة الدالة عليه الواردة من طرق العامة والخاصة مثل ما ورد عنه عليه السلام من قوله عليكم بالسواد الأعظم وقوله الحق مع الجماعة وقوله تدانيه إلى الجماعة إلى غير ذلك وفي نهج البلاغة في كلامه عليه السلام للخوارج والزموا السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب وما في مقبولة عمر بن حنظلة ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكاه المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه وإنما الأمور ثلاثة بيّن رشده إلى أن قال قلت فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم الخبر وفي قوله ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور وقول الراوي فإن كان الخبر عنكم مشهوران وفيها دلالة على كون المراد من المجمع عليه هو المشهور فلا يرد دلالة الرواية على حكم الإجماع دون الشهرة وما في مرفوعة زرارة قلت جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما أخذ فقال عليه السلام يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر فقلت يا سيدي إنهما معا مشهوران مرويان مأموران عنكم إلخ ومنها أن المعروف بينهم بل المسلم عند المحققين بينهم حجية الخبر الضعيف لنضم إلى الشهرة ومن البين عدم حجية الخبر الضعيف فلو كانت الشهرة أيضا كذلك لم يصح الحكم المذكور لظهور أن انضمام غير الحجة إلى مثله لا يجعل غير الحجة حجة كانضمام أحد الخبرين الضعيفين إلى الآخر فتعين أن يكون الشهرة هي الحجة حتى يكون انضمامها إلى الخبر بالحجة ومن هنا استشكل صاحبك وبني في حجية الخبر المنجبر بالشهرة لزعمه عدم حجية الشهرة أيضا فمن أين يجيء الحجة بعد انضمام أحدها بالآخر لكنه بعد ملاحظة الطريقة الجارية بين العلماء قديما وحديثا مقطوع الفساد كما سيجيء بيانه في بحث أخبار الآحاد إن شاء الله ولولا البناء على ما ذكرناه من حجية الشهرة لكان ما ذكره متينا متجها فلا محيص بعد ذلك عدا الاعتراف بعدم حجية الرواية المنجبرة بالشهرة وهو يستلزم باختلال كثير من الأحكام الشرعية وهذه