الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

415

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

والعقل يحكم بعدم ترتب المضار الأخروية كذلك من دون قيام الحجة على عموم الحجية فظن ترتب الضرر على مخالفة مطلق الظن من دون قيام الحجة القاطعة لعذر المكلف لا وجه له وإنما يتم ذلك بعد ملاحظة عدم الترجيح بين الظنون حسبما مرت الإشارة إليه فيرجع ذلك إلى الدليل المتقدم فظهر بذلك فساد ما جعله فارقا بين هذا الدليل والدليل الأول من كون المناط في الانتقال إلى الظن هناك بطلان تكليف ما لا يطاق وهنا دفع الضرر المظنون إذ قد عرفت أن مجرد الظن بالحكم لا يقتضي ظن الضرر بمخالفته مع عدم قيام دليل قاطع لعذر المكلف والكلام في المقام إنما وقع في ذلك الدليل ولو أريد إثباته بمجرد الظن بالحكم لزم الدور ولو أخذ فيه المقدمتان المذكورتان كان الانتقال إلى الظن من جهتها دون ظن الضرر كما أشرنا إليه على أن الانتقال إلى الظن في المقام لا يتصور مع قطع النظر عن لزوم تكليف ما لا يطاق كيف ولو قيل بجوازه لجاز حصول القطع ببقاء التكليف وانحصار الطريق في الظن مع كونه مكلفا بالعلم وعدم اكتفاء الشارع بغيره ومجرد الظن بأداء التكليف بموافقة المظنون لا يكتفي به في الخروج عن عهدة التكليف الثابت بل لا يكون مثبتا للتكليف بالمظنون مع عدم كونه قاطعا لعذر المكلف في عدم ثبوت التكليف عندنا وقيام الحجة عليه في بيان أن التكليف إذ لا ملازمة بين الظن بالحكم والظن بالضرر مع مخالفة المظنون بعد ما قام الدليل على عدم تعلق التكليف قبل قيام الحجة على المكلف وحصول طريق له في الوصول إلى المكلف به وما ذكره جوابا عما أورد من إمكان العمل بأصل البراءة من أول الأمر من أنا لا نعمل به من أول الأمر إلى آخر ما ذكره مدفوع بأن الحال وإن كان على ما ذكره من عدم الرجوع إلى أصل البراءة إلا مع اليأس عن الأدلة الاختيارية والاضطرارية غير أنه لا بد من ثبوت الأدلة الاضطرارية ليمكن الرجوع إليها والاعتماد عليها وأما مع عدم ثبوتها فلا وجه للاعتداد بها بل لا بد من الرجوع إلى أصل البراءة فالظنون التي لا يعلم حجيتها بالخصوص إن ثبت حجيتها على جهة العموم فلا كلام في تقديمها على الأصل لكنها لا يثبت حجيتها بعد وإنما يتوقف ثبوتها على عدم جواز الرجوع حينئذ إلى الأصل المذكور كما هو مبنى الاستدلال ومجرد احتمال حجيتها لا يقضي بالمنع من الرجوع إلى الأصل إذ لا يتم الحجة على المكلف بمجرد الاحتمال ولذا يدفع احتمال حصول التكليف بالأصل المذكور ولا يتعقل فرق بين الاحتمال المتعلق بنفس التكليف والاحتمال المتعلق بإثبات التكليف بمجرد الظن فكذا ينهض الأصل حجة وافية للأول إلى أن يقوم دليل على ثبوت التكليف فكذا بالنسبة إلى الثاني والقول بأن حجية الأصل إنما هي مع اليأس عن الدليل ولا بأس مع وجود واحد من الظنون المفروضة مما يحتمل حجيته واضح الفساد فإن المراد بالدليل هو القاطع لعذر المكلف ومجرد احتمال كونه مثبتا للتكليف غير قاطع لعذره كما أنه لا يقطع عذره باحتمال ثبوت التكليف حسبما قررنا فيقوم الأصل حينئذ حجة على دفع كل من الاحتمالين إلى أن يقوم دليل على خلافه نعم لو قرر دفع الإيراد بأن البناء على أصل البراءة في غير معلوم الحجية بالخصوص عن الظنون المفروضة يوجب عدم الشريعة والخروج عن الدين لكان له وجه حسبما مر بيانه في تقرير الاستدلال الأول وأما ما علل المنع به فمما لا يكاد يمكن تصحيحه وأما ما ذكره في الجواب من الإيراد الغالب ففيه أن ما دفعه به أولا من منع مادة الانتقاض فهو موهون جدا إذ عدم حجية جملة من الظنون في الشريعة ولو بالنسبة إلى هذه الأزمان مما قضى به إجماع الفرقة بل ضرورة المذهب كظن القياس والاستحسان ونحوهما ودعوى عدم حصول الظن منها مكابرة للوجدان نعم إنما يتم ما ذكره بالنسبة إلى غير الفاسق مثلا بناء على الاكتفاء في حجية الخبر بظن الصدور كما هو المختار إذ احتمال الاكتفاء به لا يتحقق معه النقض لوضوح أن مجرد الاحتمال غير كاف في حصول الانتقاض وما دفعه به ثانيا فهو أيضا كسابقه لبقاء الإشكال على حاله ولا ثمرة لاعتبار الإخراج عن الأدلة المفيدة للظن أصلا وذلك لوضوح التزام إخراجها عما دل على حجية مطلق الظن فإن مؤدى الأدلة المذكورة حجية مطلق الظن بعد انسداد سبيل العلم والمفروض عدم حجية الظنون المفروضة فتكون مخرجة عن القاعدة المذكورة قطعا والقول بأن الحجية مطلق للظن الحاصل عما سوى الأدلة المفروضة فلا تخصيص في القاعدة لاختصاص الحكم بما عدا المذكورة غير مفيد للمقام إذ لو كان ذلك كافيا في دفع الإيراد كان جاريا في نفس الظن أيضا بأن يقال إن الحجة بعد انسداد سبيل العلم هو ما عدا الظنون التي علم عدم حجيتها فأي فائدة في الخروج عن ظاهر ما يقتضيه تقرير الدليل وبناء على الوجه المذكور ومع الغض عن ذلك فمقتضى ما ذكره قيام الدليل على حجية الظن الحاصل من الأدلة المفيدة للظن وحينئذ فورود التخصيص على متعلق الظن المفروض تخصيص في القاعدة العقلية أيضا من غير فرق بينه وبين ورود التخصيص على حجية مطلق الظن أصلا نعم يمكن الجواب عن الإيراد المذكور بأنه بعد ما قام الدليل على عدم حجية الظن الحاصل من القياس ونحوه لا يتحقق خوف من الضرر عند مخالفته ليجب الأخذ بمقتضاه من جهة دفعه ذلك للعلم بعدم الاعتماد عليه في الشريعة بل مع الشارع عن الأخذ به فإنما يترتب الضرر حينئذ على التمسك به دون عدمه ويمكن الإيراد عليه بأن مدار الاحتجاج المذكور على كون الظن بالواقع قاضيا لظن الضرر مع مخالفة المظنون فإذا قيل بإمكان التخلف وعدم حصول الظن مع عدم حصول الظن بالحكم بطل الاحتجاج من أصله ويدفعه أن مدار الاحتجاج على كون الظن بالواقع مقتضيا لظن الضرر ولولا قيام المانع منه فإذا قام الدليل على عدم حجية بعض الظنون كان ذلك مانعا من الظن بالضرر مع عدمه فالظن بالضرر حاصل عند حصول الظن بالتكليف وفيه منع ظاهر إذ لا دليل على الدعوى المذكور سيما بعد ملاحظة خلافه في عدة من الظنون وقيام بعض الوجوه المشككة في عدة أخر منها بل ضرورة الوجدان قاضية بعدم الملازمة بين الظن بالحكم والظن بالضرر مع عدم الأخذ به وقد مرت الإشارة إلى ذلك ويأتي تتمة الكلام فيه إن شاء الله إلا أن ذلك إيراد آخر على الدليل المذكور لا ربط له بالإيراد المذكور وما ذكر من الجواب كاف في دفع هذا الإيراد وأما ما ذكره في الجواب عن تقرير الإيراد المذكور على الدليل الأول فيرد على ما ذكره أولا أن مفاد المقدمات المذكورة هو حجية مطلق الظن وقيامه مقام العلم دون الأدلة الظنية ولو دل على حجيتها فإنما هي من حيث إفادتها الظن فيعود إلى الأول فكيف يصح القول بأن مفادها حجية الأدلة الظنية المفيدة للظن في نفسها مع قطع النظر عما يعارضها دون نفس المظنة الواقعية ومع الغض عن ذلك فأي فرق فيما ذكر بين دلالتها على حجية كل من الأدلة الظنية وكل ظن