الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

414

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بالأدلة القطعية والجواب عن الأول ظاهر فإن وجوب دفع الضرر المظنون بل ما دونه من النظريات التي لا مجال لإنكاره كيف وهو المبدأ في إثبات النبوات والتجسس عن الحق ولولاه لزم إقحام النبي في أمره بالنظر إلى معجزته والتفصيل المذكور بين المضار الدنيوية والأخروية من أوهن الخيالات إذ لا يعقل الفرق بينهما في ذلك بل المضار الأخروية أعظم في نظر العقل السليم لشدة خطره وعظم المثال فيه ودوامه وعدم حيلة للمكلف في دفعه بعد خروج الأمر من يده وعدم استقلال العقل في خصوصيتها لا يقتضي عدم إدراكه لما يتعلق بها ولو على سبيل الإجمال وأجاب بعض الأفاضل عن الثاني بأن مراد المستدل أنه إذا علم بقاء التكليف ضرورة والحظر طريق معرفة المكلف به في الظن وجب متابعته ولم يجز تركه إذ ما ظنه حراما أو واجبا يظن أن الله يؤاخذه على مخالفته وظن المؤاخذة قاض بوجوب التحرز عقلا ولا وجه لمنع ذلك وما ذكره من سند المنع مدفوع بأن وجوب نصب الدلالة العقلية بالخصوص على الشارع ممنوع وهو أول الكلام ألا ترى أن الإمامية يقولون بوجوب اللطف على اللّه في نصب الإمام عليه السلام لإجراء الأحكام وإقامة الحدود ومع ذلك خفي عن الأمة من جهة الظلمة فكما أن المجتهد صار نائبا عنه بالعقل أو النقل وكان اتباعه واجبا كاتباعه فكذلك ظن المجتهد بقولهم وشرائعهم صار نائبا عن علمه بها وكما أن الإمام عليه السلام يجب أن يكون عالما بجميع الأحكام يحتاج الأمة عليها وإن لم يكونوا محتاجين فعلا وكذا يجب على المجتهد الاستعداد لجميع الأحكام بقدر طاقته ليرفع احتياج الأمة عند احتياجهم ولا ريب أنه لا يمكن تحصيل الكل باليقين فناب ظنه مناب يقينه نعم لو فرض عدم حصول ظن للمجتهد في مسألة أيضا رجع فيها إلى أصل البراءة لا يقال إن التقرير المذكور يرجع هذا الدليل إلى الدليل الأول لأنا نقول إن مرجع الدليل الأول إلى لزوم تكليف ما لا يطاق في معرفة الأحكام لو لم يعمل بظن المجتهد ومرجع هذا الدليل إلى أن ترك العمل بالظن يوجب الظن بالضرر فإن قلت لو لم يحصل الظن بشيء حين انسداد باب العلم فلا مناص في العمل والتخلص من لزوم تكليف ما لا يطاق فإن عملت بأصل البراءة حينئذ فلم لم يقل به من أول الأمر قلت إنما لا تعمل به أولا لأن الثابت من الأدلة كون جواز العمل به متوقفا على اليأس عن الأدلة بعد الفحص فكما يعتبر الفحص في اليأس عن الأدلة الاختيارية فكذا الحال في الأدلة الاضطرارية فالحال في الظنون الغير المعلوم حجيتها بالخصوص إذا تعارضت أو فقدت حال الظنون المعلوم الحجية إذا تعارضت أو فقدت فيما يبنى عليه هناك من التوقف في الفتوى أو الرجوع إلى الأصل يبنى عليه هنا وكما لا يرجع هناك إلى الأصل مع وجود الدليل وانتفاء المعارض كذا لا يرجع إليه هنا وأجاب عن الثالث تارة بأن عدم جواز العمل بخبر الفاسق إذا أفاد الظن أول الكلام واشتراط العدالة في الراوي معركة للآراء وقد نص الشيخ رحمه الله بجواز العمل بخبر المتحرز عن الكذب وإن كان فاسقا بجوارحه والمشهور بينهم أيضا جواز العمل بالخبر الضعيف المنجبر بعمل الأصحاب ولا ريب أن ذلك لا يفيد إلا الظن والحاصل أنا لا نجوز العمل بخبر الفاسق لأجل عدم حصول الظن أو لحصول الظن بعدمه لا من جهة كونه فاسقا وإن حصل الظن به وبمثل ذلك نقول إذا ورد النقض بالقياس فيكون حرمة العمل به من جهة عدم حصول الظن منه وذلك علة منع الشارع من العمل به لأنه لا يعمل به على فرض حصول الظن وتارة بأن ما دل الدليل من عدم حجيته كخبر الفاسق إذ القياس إنما يستثني من الأدلة المفيدة للظن لا أن الظن الحاصل منه مستثنى من مطلق الظن حتى يرد التخصيص على القاعدة العقلية ليورد الإشكال المذكور بل إنما يرد التخصيص على متعلق القاعدة المذكورة فيكون القاعدة العقلية متعلقة بالعام المخصوص وهي باقية على حالها كذلك من غير ورود تخصيص عليها وذكر المجيب المذكور أن ما ذكر من الإيراد وارد على الدليل الأول أيضا لأن تكليف ما لا يطاق إذا اقتضى العمل بالظن بعد انسداد سبيل العلم فلا وجه لاستثناء الظن الحاصل من القياس مثلا وأجاب عنه بوجوه أحدها أن تكليف ما لا يطاق وانسداد باب العلم من الأدلة المقتضية للعلم أو الظن المعلوم الحجية مع العلم ببقاء التكليف يوجب جواز العمل بما يفيد الظن يعني في نفسه مع قطع النظر عما يفيد ظنا قويا وبالجملة أنه يدل على حجية الأدلة الظنية دون مطلق الظن النفس الأمري والأول أمر قابل للاستثناء إذ يصح أن يقال إنه يجوز العمل بكل ما يفيد الظن بنفسه ويدل على مراد الشارع ظنا إلا الدال الفلاني وبعد إخراج ما خرج عن ذلك يكون باقي الأدلة المفيدة للظن حجة معتبرة فإذا تعارضت تلك الأدلة لزم الأخذ بما هو أقوى وترك الأضعف منها فالمعتبر حينئذ هو الظن الواقع ويكون مفاد الأقوى حينئذ ظنا والأضعف وهما فيضعف فيؤخذ بالظن ويترك غيره ثانيها أن في مورد القياس ونحوه لم ينسد باب العلم بالنسبة إلى ترك مقتضاه فإنا نعلم بالضرورة من المذهب حرمة العمل بمؤدى القياس فنقطع أن حكم الله غير مؤدّاه من حيث إنه مؤداه وإن لم نعلم أنه ما هو فنرجع في تعيينه إلى سائر الأدلة وإن كان مؤداه عين مؤداه لمخالفته له في الحيثية ثالثها أنه يمكن منع بداهة حرمة العمل بالقياس ونحوه في موضع لا سبيل إلى الحكم إلا به غاية ما يسلم قضاء الضرورة بعدم جواز الأخذ به مع حصول طريق آخر إلى الحكم فلا نقض وأنت خبير بأن جميع ما ذكر محل نظر لا يكاد يصح شيء منها أما ما ذكره في جواب الإيراد الثاني ففيه أن المقدمتين المذكورتين لم تؤخذ إلى الحجة المذكورة حسبما عرفت فالوجه المذكور لا يدفع الإيراد بل يحققه ومع الغض عن ذلك فلو أخذ باقي الاحتجاج وسلمها الخصم حصل منها القطع بتكليفه بالظن وحصول المؤاخذة مع ترك العمل بالمظنة بالمرة إذ المفروض القطع ببقاء التكليف وانحصار الطريق في الظن فأي حاجة إذن إلى ضم المقدمة المذكورة وأي داع لاعتبار الظن بالضرر وحصول المؤاخذة مع المخالفة على أن ما ذكره من انحصار الطريق في الأخذ بالظن غير مبين في المقام إلا أن يؤخذ فيه ما ذكر في الدليل الأول من المقدمتين الأخيرتين من كون الطريق الأولى إلى الواقع هو العلم وكون الظن هو الأقرب إليه فتنحصر الطريق في الأخذ به بعد انسداد سبيل العلم وبقاء التكليف حسبما مر بيانه في الدليل الأول ويبقى الكلام في عموم حجية الظن ليشمل جميع أفراده عدا ما خرج بالدليل إذ أقصى ما يفيد الوجه المذكور كون الظن دليلا في الجملة ويترتب الضرر على مخالفته كذلك وأما ترتبه على مخالفة أي ظن كان فغير بين ولا مبين