الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
403
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الحكم المنوط بالواقع ومن جهة الحكم بثبوت ذلك في الواقع إذا تقرر ذلك فنقول لما كانت التكاليف الواقعية ثابتة على المكلفين بالنظر إلى الواقع ولم يمكن القول بسقوطها عنا بالمرة كان الواجب حصول طريق لنا إليها ولما لم يمكن هناك طريق قطعي ثابت عن الشارع وجب الأخذ بالظن بمقتضى العقل إلى آخر ما ذكرنا فإن كان المظنون مطابقا للواقع فلا كلام وإلا كان التكليف بالواقع ساقطا عنا بحسب الواقع وكان ذلك حكما ثانويا قائما مقام الأول بالنظر إلى الواقع أيضا وإن كان مكلفا به في الظاهر من حيث إنه الواقع فالقول بأن الاشتراك في التكاليف الواقعية لا يقتضي ثبوتها بالنسبة إلينا وتعلقها بنا إن أريد به عدم اقتضائه لحكمنا باشتغال ذمتنا بالواقع ولزوم تفريغها عنه فهو بين الفساد كيف والمفروض قضاء الإجماع والضرورة به وإن أريد به عدم اقتضائه تعين التكليف علينا بحسب الواقع مع عدم اتصال الطريق المقرر في الظاهر للاتصال إليها بالنظر إلى الواقع فمسلم فلا منافاة فيه لما نحن بصدده وربما يورد في المقام بأن الانتقال من العلم إلى غيره من جهة انسداد سبيل العلم إنما يلزم في حكم العقل إذا سلم بقاء تلك التكاليف بعد فرض انسداد سبيل العلم بها إذ هو في محل المنع لاحتمال القول بسقوطها مع عدم التمكن من العلم بها لانتفاء الطريق إلى الوصول إليها وعدم ثبوت كون الطريق طريقا شرعيا قاضيا بثبوتها وهو بمكان من الوهن والسقوط إذ المقدمة القائلة ببقاء التكاليف الشرعية في الجملة وعدم سقوطها عن المكلفين بالمرة قد دل عليها إجماع الأمة بل الضرورة والاقتصار على القدر المعلوم من التكاليف يوجب هدم الشريعة وسقوط معظم التكاليف عن الأمة ويمكن أن يقرر المقدمة المذكورة ببيان أوضح لا مجال فيها للمنع المذكور ويقوم مقام المقدمتين المفروضين بأن يقال إنه قد دل إجماع الفرقة بل الأمة بل الضرورة الدينية على ثبوت أحكام بالنسبة إلينا يزيد تفصيلها عما قامت عليها الأدلة القطعية التفصيلية على خصوصها بحيث لو اقتصرنا على مقدار المقطوع به من التفاصيل وتركنا العمل بالواقع لتركنا كثيرا مما كلفنا به قطعا إذ ليس المقطوع به من الأحكام على سبيل التفصيل إلا أقل قليل وثبوت هذا القدر من التكليف كاف في إثبات المقصود وإن منع مانع من توجيه جميع الأحكام الواقعية الثابتة في أصل الشريعة إلينا فلا حاجة إلى أخذها مقدمة للدليل ليتمسك في دفعه بالوجه المتقدم هذا ويمكن الإيراد في المقام بأنه كما قرر الشارع أحكاما واقعية كذا قرر طريقا للوصول إليها عند انسداد باب العلم بها أو قيام الجرح في التكليف بتحصيل اليقين بخصوصياتها فيكون مؤداها هو المكلف به في الظاهر سواء حصل به الإيصال إلى الواقع أولا وتقريره للطريق المذكور مما لا يدانيه ريب بعد الحكم ببقاء التكليف سواء كان هو مطلق الظن كما يقوله المستدل أو الظن الخاص كما ذهب إليه غيره وحينئذ فلا بد من تحصيل العلم بذلك الطريق مع الإمكان كما هو الشأن في غيره من الأحكام المقررة فإذا انسد سبيل العلم بما قرره حسبما يدعيه المستدل من عدم قيام دليل قاطع على حجية شيء من الظنيات الخاصة وعدم إفادة شيء من الأدلة المنصوبة به لزم الرجوع إلى الظن بتحصيله أخذا بما هو الأقرب إلى العلم حسبما قرره فيجب الأخذ بما يظن كونه طريقا منصوبا من الشارع لاستنباط الواقع ويكون مؤداه هو الحكم المطلوب هنا في الظاهر إلى الظن به وأين ذلك من الانتقال إلى الظن بالواقع في خصوصيات المسائل كما رآه المستدل فالحاصل أنه لا تكليف بالأحكام الواقعية إلا بالطريق المقرر عند صاحب الشريعة سواء كان هو العلم أو غيره فالمكلف به في الظاهر ليس سوى الطريق كما إذا استند سبيل العلم بالطريق كما اعترف به المستدل فلا بد من الانتقال إلى الظن بما هو مؤداه دون الظن أنه الواقع كما هو مقصود المستدل ولا ملازمة بين الأمرين كما لا يخفى فإن قلت إن الانتقال إلى الظن بما جعله طريقا إلى الواقع إنما يلزم في حكم العقل إذا علم بقاء التكليف بالأخذ بالطريق المقرر ولا دليل عليه بعد انسداد سبيل العلم به إذ لا ضرورة قاضية به كما قضت ببقاء التكليف في الجملة قلت الأخذ حينئذ بطريق ما مما لا مناص عنه في استنباط الأحكام فلا بد حينئذ من طريق مقرر عند الشارع بحسب الواقع لمعرفة الأحكام والوصول إليها وتوسيع انسداد باب العلم بنفس الطريق للاستنباط إذ لا مناص عن العمل ولا عن الأخذ بطريق من الطرق وحينئذ فإذا لم يمكن العلم بذلك الطريق تعين الأخذ بظنه حسبما قرر في الدليل المذكور والحاصل أن للشارع حينئذ طريقا لمعرفة الأحكام إذ المفروض عدم سقوط التكليف بها فإذا انسد سبيل العلم به تعين الأخذ بظنه فما ذكر في الإيراد من احتمال سقوط التكليف بالطريق المقرر إن أريد به سقوط الأخذ بالطريق المقرر مطلقا فهو واضح الفساد فإنه لا يقوم ذلك الاحتمال إلا إذا احتمل سقوط التكليف بغير المعلومات وأما مع بقائه فلا يعقل سقوط التكليف بالأخذ بطريق موصل إليها في حكم الشارع إذ لا بد حينئذ من طريق يوافق رضاه وهو المراد من الطريق المقرر مضافا إلى أنه بعد تسليم طريق مقرر من الشارع من أول الأمر وعلم المكلف به إجمالا لا يجوز عند العقل ترك الأخذ به مطلقا مع عدم ثبوت سقوط الأخذ بل يحكم حينئذ بتقديم الأخذ بالظن به عند انسداد سبيل العلم إليه على ترك الأخذ لمجرد احتمال سقوطه مع ظن خلافه فيقدم الظن حينئذ عند انسداد باب العلم قطعا أخذا بما هو الدعوى والأحرى وو الأقرب إلى الواقع مع إمكان العلم به ثانيها أن ما ذكر في المقدمة الثانية أن الطريق إلى الوصول إلى الأحكام هو العلم في الإمكان إن أريد به أن الطريق أولا إلى الواقع هو ما يعلم به معه بأداء التكليف في ظاهر الشريعة وحصول الفراغ عن الاشتغال في حكم الشرع فمسلم ولا يلزم منه بعد انسداد طريق العلم به ولو باعتبار العلم بأداء المكلف به بحسب الواقع نظرا إلى توقف اليقين بالفراغ عليه مع عدم قيام دليل على الاكتفاء بغيره من سائر الظنون إلى الرجوع إلى الظن بما جعله الشارع طريقا إلى معرفة ما كلف به فيقوم ذلك مقام العلم به بل يحصل منه العلم أيضا بعد ملاحظة ذلك وإن كان في المرتبة الثانية ولا ربط لذلك بحجية الظن المتعلق بخصوصيات الأحكام هو مقصود كما هو مقصود المستدل وإن أريد أن الطريق أولا هو العلم بالأحكام الواقعية فينتقل بعد انسداد سبيله مع العلم