الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

404

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ببقاء التكليف إلى الأخذ بالظن بها فهو ممنوع بل القدر اللازم منه أولا هو ما عرفت من العلم بأداء التكليف شرعا كما مر تفصيل القول فيه وكون الطريق المقرر أولا في الشريعة هو العلم بالأحكام الواقعية ممنوع وليس في الشرع ما يدل على لزوم تحصيل العلم بكل الأحكام الواقعية بل الظاهر أنه مما لم يقع التكليف به مع انفتاح طريق العلم لما في إناطة التكليف من الحرج التام بالنسبة إلى عامة الأنام بل المقرر من الشارع طريقة خاصة لأخذ الأحكام كما قرر طريقه خاصة للحكم بالموضوعات التي أنيط بها الأحكام ونزلها منزلة العلم بها وقد مر تفصيل القول في تضعيف ما قد يقال من إناطة التكليف بالواقع إذ لا يتصل القطع بالواقع في خصوصيات المسائل وعدم الاكتفاء بطريق الظنية إلا بعد انسداد سبيل العلم كما هو مبنى الاحتجاج المذكور ومحصل الكلام أن الطريق أولا إلى الواقع هو ما قرره الشارع وجعله طريقا إلى العلم بتفريغ الذمة لا نفس العلم بأداء الواقع ولذا إذا علمنا ذلك صح البناء عليه قطعا ولو مع انفتاح باب العلم بالواقع فعدم وجوب مراعاة القطع بالواقع إذا حصل القطع بتفريغ الذمة في ظاهر الشريعة أقوى شاهد على ما قلناه نعم إذا انسد علينا الطريق المذكور تعين العمل بما يعلم معه بأداء الواقع مع إمكانه نظرا إلى عدم قيامه دليل على حصول البراءة بغيره وقضاء اليقين بالشغل باليقين بالفراغ في حكم العقل لا لتعين ذلك بخصوصه بل لإيجابه ذلك من جهة الجهل بحصول الفراع من حكم الشرع لغيره فإذا انسد علينا ذلك تعين الأخذ بالطريق الذي يظن كونه طريقا لا إلى تفريغ الذمة ويرجح في نظر العقل جعله الشارع سبيلا إلى معرفة التكليف وثبوت الحكم في ظاهر الشرع فيقدم ذلك على مطلق الظن المتعلق بالواقع الخالي عن الظن بكونه المكلف به في الظاهر فكما أنه لو علم هناك طريق مقرر من الشرع في معرفة تفريغ الذمة كان ذلك هو المنع في أداء التكليف وصح تقديمه على الأخذ بما فيه العلم بالبراءة الواقعية فكذا لو كان هناك ظن بالطريق المقرر قدم على ما يظن معه بالإتيان بما هو الواقع غير أن هناك فرقا بينهما من حيث إن الأخذ بالطريق المعلوم جائز هناك أيضا مع عدم منع الشرع من الأخذ به نظرا إلى استقلال العقل في الحكم برجحان الأخذ بالاحتياط مما لم يمنع منه مانع وهنا لا يجوز بمجرد الظن المتعلق بالواقع من دون ظن بكونه الطريق إلى تفريغ الذمة لما عرفت من أن الملحوظ في نظر العقل أولا هو المعرفة بفراغ الذمة في ظاهر الشريعة وحيث تعذر العلم به وكان باب الظن به مفتوحا لا وجه لعدم الإتيان بمقتضاه والأخذ بالمشكوك أو الموهوم من حيث الأخذ وإن كان هناك ظن بأداء الواقع والحاصل أن الإتيان بما هو معلوم يقضي بالعلم بأداء تكليفه بحسب الشرع ولو مع العلم بما جعله الشارع طريقا إلى الواقع بخلاف الإتيان بما يظن مطابقته للواقع بعد انسداد باب العلم إذ لا يستلزم ذلك الظن بأداء ما كلف به في ظاهر الشريعة من الرجوع إلى الطريق المقرر لكشف الواقع لما هو ظاهر من جواز حصول الظن بالواقع والقطع بعدم كونه طريقا في الشريعة إلى الواقع لما هو ظاهر من جواز حصول الظن بالواقع والقطع بعدم كونه طريقا في الشريعة إلى الواقع كما في ظن القياس وقد يظن عدمه كما في ظن الشهرة لقيام الشهرة على عدم الاعتداد به في الشريعة وقد يشك فيه كما في بعض الظنون المشكوك حجيتها وجواز الأخذ بها ولا ترجيح في نظر العقل لجواز الاعتماد عليها في الشريعة على عدمه فظهر أنه لا ملازمة بين الظن بالواقع والظن بكون الأخذ بذلك الظنون هو المكلف به في الشريعة والحجة علينا في استنباط الحكم والمتبع بمقتضى الدليل المذكور هو الظن الثاني دون الأول وسيأتي تتمة الكلام في ذلك إن شاء الله ثالثها المنع من المقدمة الثالثة لإمكان المناقشة فيها بأنه إن أريد بانسداد سبيل العلم بالأحكام انسداد سبيل المعرفة بنفس الأحكام الشرعية على سبيل التفصيل فممنوع ولا يقضي ذلك بالانتقال إلى الظن إذ الواجب على المكلف بعد تعين الاشتغال بالأحكام الشرعية في الجملة هو تحصيل اليقين بالفراغ منها ولا يتوقف ذلك على تحصيل اليقين بحكم المسألة ليتنزل بعد انسداد سبيله إلى الظن به وإن أريد به انسداد سبيل العلم بأداء التكاليف الشرعية والخروج عن عهدتها فممنوع فإنه كما يمكن العلم بالفراغ بتحصيل العلم في المسألة والجري على مقتضاه كذا يمكن تحصيله بمراعاة الحائطة في الغالب ولو بتكرار العمل وكثيرا ما لا يمكن فيه ذلك لا مانع من القول بسقوطه بالنسبة إليه إذ لا يلزم من البناء عليه خروج عن الدين فإن معظم الواجبات والمحرمات معلوم بالضرورة أو الإجماع غاية الأمر عدم قيام الدليل القاطع على تفاصيل تلك المجملات وتحصيل القطع بأداء الواجبات ممكن في الغالب بأداء فرد يقطع باندراجه في الطبقة المطلوبة وفي ترك المحرمات قد يبنى أيضا على الاحتياط وقد يقتصر على القدر المتيقن على اختلاف المقامات ومع عدم جريان الاحتياط في بعض المقامات مع العلم ببقاء التكليف فلا أقل من لزوم مراعاته فيما يمكن فيه المراعاة لإمكان تحصيل اليقين بالنسبة إليه فلا وجه للرجوع فيه إلى الظن لما عرفت من أن المناط في تحصيل اليقين هو اليقين بأداء التكليف دون اليقين بحكم المسألة لينتقل إلى الظن به بعد انسداد سبيله فلا يتم القول بلزوم الرجوع إلى الظن بالحكم بعد انسداد سبيل العلم به كما هو المدعى ولو سلم توقف الخروج عن عهدة التكليف على العلم بالحكم في بعض المقامات مع القطع ببقاء التكليف حينئذ فغاية الأمر حينئذ القول بحجية الظن هناك وأين ذلك من المدعى ودعوى عدم القول بالفصل بعد ثبوت حجية الظن فيه مطلقا محل تأمل على أنه غير مأخوذ في الاحتجاج مضافا إلى أن مقتضى ما سلمناه من لزوم تحصيل العلم بالفراغ هو الانتقال بعد انسداد سبيله إلى ما هو الأقرب إلى اليقين بالفراغ فيجب حينئذ مراعاة الأخرى في تحصيل الواقع ولا ملازمة بينه وبين الأخذ بما يظن من الأحكام فغاية الأمر أن يكون الواجب فيما لا يمكن فيه تحصيل العلم بالفراغ من مراعاة الاحتياط أو العلم بالحكم والجري على مقتضاه أن ينتقل إلى ما يكون الظن بالفراغ معه أقوى ويكون الحكم بتحصيل الواقع مع مراعاته أخرى وهو غير الأخذ بما هو المظنون في حكم المسألة كما هو المدعى إن أمكن توقف حصوله على مراعاته في بعض المقامات فغاية الأمر ثبوت حجية الظن في ذلك المقام لو تحقق حصوله في الخارج ثبت بقاء التكليف به حينئذ من ضرورة أو إجماع وما قد يقال من عدم قيام دليل على وجوب الاحتياط مدفوع بأن هذا الدليل على فرض صحته كاف فيه فإن مقتضاه كما عرفت وجوب تحصيل القطع بالفراغ مع الإمكان ولا ريب في حصوله بمراعاة الاحتياط وما قد يتراءى