الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
402
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
مما يكتفي به في معرفة الأحكام بحيث لا يلزم مع الاقتصار عليه الخروج عن الدين فلا بد إذن من الرجوع إلى غيرها وليس هناك دليل قاطع على حجية ظن بالخصوص فيتساوى بقية الظنون في ذلك إذا تمهدت هذه المقدمات فنقول قضية المقدمة الأولى والثالثة انتقال التكليف إلى العمل بغير العلم وإلا لزم التكليف بغير المقدور وقضية المقدمة الثانية كون الرجوع حينئذ هو الظن إذ هو الأقرب إلى العلم في تحصيل الواقع بل نقول إنه بمنزلة بعض منه إذ الاعتقاد يتكامل إلى أن ينتهي إلى حد اليقين فإذا تعذر القدر الزائد وجب مراعاة ما دونه وهكذا ولذا يجب مراعاة أقوى الظنون فالأقوى من غير فرق بين الظنون المخصوصة وغيرها إذ تخصيص بعض بالحجية دون الباقي ترجيح من غير مرجح فيتساوى الجميع إلا أن يقوم دليل على المنع من العمل ببعضها فإن قلت إن قضية الدليل المذكور حجية أقوى الظنون مما يمكن تحصيل أكثر الأحكام به بحيث لا يلزم من الاقتصار عليه الخروج عن الدين لكونه الأقرب إلى العلم فلا يثبت به حجية ما دونه من مراتب الظنون فإن نسبتها إلى ذلك الظن كنسبة الظن إلى العلم فالقائم مقام العلم هو تلك المرتبة من الظن دون ما دونه من مراتب الظنون فإن نسبتها إلى ذلك الظن كنسبة الظن إلى العلم فالقائم مقام العلم هو تلك المرتبة في خصوص بعض المسائل لا يقضي بحجية ما دونه من المراتب وعدم حصول تلك المرتبة في خصوص بعض المسائل لا يقضي بحجية ما دونها إذ ليس ترك العمل بها إذن خروجا عن الدين وأيضا بعد بطلان احتمال الترجيح بين الظنون نظرا إلى انتفاء المرجح لا يتعين الأخذ بالجميع بناء لاحتمال البناء على التخيير وأيضا الأخذ بالجميع أيضا ترجيح لأحد المحتملات من غير مرجح إذ كما يحتمل حجية البعض دون البعض كذا يحتمل حجية الجميع فكما أنه لا مرجح لحجية البعض كذا لا مرجح لحجية الكل قلت أما الأول فمدفوع لوضوح بطلان احتمال المذكور لإطباق العلماء على خلافه فلذا يؤخذ بطلانه في الاحتجاج لكونه مفروغا عنه في المقام ومع ملاحظة ذلك يتم ما ذكر من التفريع وأما الثاني فبأن احتمال التخيير بين الظنون مدفوع وباستحالته فإن تعارض الظنين كتعارض العلمين غير ممكن إذ مع رجحان أحد الجانبين يكون الآخر وهما فإن ما يعقل تعارض بين الظنين وهو غير محل الكلام ومع الغمض عن ذلك فالبناء على التخيير بين الظنون ما لم يقل به أحد في المقام فهو مدفوع بالإجماع ولو أريد به التخيير في القول بحجية أنواع الظنون المتعلقة بالمسائل المختلفة بأن يكتفي ببعضها مما يتم به نظام الأحكام بحيث لا يلزم معه الخروج عن الدين فيتخير حينئذ في تعيين ذلك البعض وترك غيره فهو وإن أمكن تصويره في الخارج إلا أنه بين الفساد أيضا بالإجماع بل الضرورة وأما الثالث فبأن الثابت من الدليل المذكور مع قطع النظر عن المقدمة الأخيرة هو حجية الظن في الجملة وحيث لا دليل على اعتبار خصوص بعض الظنون دون غيره وكان في الطرق الظنية متساوية في نظر العقل مع قيام الضرورة على الأخذ بالظن لزم مراعاة نفس المظنة من غير اعتبار لخصوص مأخذه لعدم إمكان اعتبار من جهة بطلان ترجيحه من غير مرجح لزم اعتبار كل ظن فالأقوى حسب ما أوردنا فليس ذلك ترجيحا لحجية الجميع عند دوران الأمر بينها وبين حجية البعض من غير مرجح قول به من جهة قيام الدليل عليه كما عرفت هذا ويمكن الإيراد على الدليل المذكور بوجوه أحدها منع المقدمة الأولى بأن يقال المراد ببقاء التكليف والمشاركة مع الحاضرين في التكليف أما التكاليف الواقعية الأولية أو التكاليف الظاهرية المتعلقة بالمكلفين بالفعل في ظاهر الشريعة بأن يكونوا مخاطبين فعلا على نحو خطابهم والأول مسلم إلا أنه لا يفيد كوننا مكلفين بها فعلا وإنما يفيد تعلقها بناء على فرض اطلاعنا عليه وعلمنا بها إذ ليست التكاليف الواقعية إلا خطابات شافية وإنما يتعلق بالمكلفين فعلا إذا استجمعوا شرائط التكليف حسبما فصل في محله والثاني ممنوع بل فاسد ضرورة اختلاف تلك التكاليف باختلاف الآراء ألا ترى أن كل مجتهد ومقلد مكلف بما أدى إليه اجتهاده مع أن بين المجتهدين من الاختلافات الشديدة في المسائل فلسنا مكلفين فعلا بجميع ما كلفوا به كذلك قطعا والحاصل أن المشاركة في التكاليف الواقعية الأولية لا يفيد تكليفا بها فعلا حتى يندرج بعد انسداد باب العلم بها إلى الظن والمشاركة في التكاليف الظاهرية العقلية ممنوعة بل باطلة فكونهم مكلفين ظاهرا بالتكاليف الواقعية لتمكنهم من تحصيل العلم لا يقضي بكوننا مكلفين بتلك الأحكام حتى يتنزل بعد انسداد باب العلم بها إلى ظنها إذ قد يكون تكليفنا الظاهري حينئذ أمرا آخر وفيه أن الحكم الظاهري التكليفي هو الحكم الواقعي في نظر المكلف ويجب اعتقاده وليس حكما آخر متعلقا بالمكلف مع قطع النظر عن انطباقه مع الواقعي ليقابل سقوط الأول وثبوت الثاني بل إنما يثبت الحكم الظاهري من جهة ثبوت التكليف بالواقع وعدم سقوطه عن المكلف فيضطر إلى تحصيل الواقع فيكون ما حصله حكما ظاهريا متعلقا به فعلا فإن طابق الواقع بحسب الواقع كان واقعيا أيضا وإلا كان ظاهريا محضا قائما مقام الواقع وبه يسقط تكليفه بالواقع بالنظر إلى الواقع وإن كان مكلفا به في الظاهر معتقدا كون ما يأتي به هو الواقع فليس الحكم الظاهري أمرا ثابتا استقلالا مع قطع النظر عن ثبوت التكليف بالواقع وكونه هو الواقع وإلا لكان ذلك أيضا حكما واقعيا مستقلا نعم قد يكون الحكم الظاهري بالنسبة إلى المكلف أمرا مخالفا للواقع مع العلم بمخالفته كما إذا لم يتمكن من استعلام المجمل ولم يكن له طريق الخروج عن عهدة التكليف به فإنه يرتفع عند ذلك التكليف في الظاهر ويحكم ببراءة ذمته مع علمه بخلافه وقد يكون مع الظن أو الشك في المخالفة كما إذا دار العمل بين الوجوب والندب وظن كونه واجبا من غير طريق شرعي أو شك فيه فإنه يبقى الوجوب بالأصل ويحكم بالاستحباب مع عدم الظن بكونه واقعيا لكن ذلك كله في مقام رفع الحكم والتكليف لا في مقام إثبات الحكم وإن لزمه ثبوت حكم شرعي ظاهرا في الأخيرين وذلك في الحقيقة طريق شرعي للحكم بكونه الواقع بالنسبة إلى ذلك المكلف وإن لم يثبت به الواقع لا علما ولا ظنا فإن الطريق إلى الحكم بالشيء شرعا غير الطريق إلى نفس ذلك الشيء يعرف ذلك بملاحظة الطرق المقررة للموضوعات فإنه إنما يستفاد منها الحكم شرعا بثبوتها إلا أنه هناك اعتقاد بحصولها في الواقع والمقصود هو الأول وهو المراد بكون شيء طريقا إلى الواقع ويتفرع عليه