الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
401
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
من يصل إليه من ضعف خاص فيكون مقصود المتكلم بقاءه والاستفادة منه وحينئذ فلا فرق بين من وقعت المخاطبة معه بالحاضرين الذين ألقي إليهم الكلام والغائبين والمعدومين ممن يأتي في الأعصار اللاحقة الذين قصد استفادتهم من ذلك الكلام وإن لم يكونوا مخاطبين بذلك الخطاب على وجه الحقيقة وذلك كتصنيفات المصنفين فإن الظن الحاصل لهم من ذلك الكلام حجة بالنسبة إلى الجميع في الوقوف على مراد المتكلم والطريقة المستمرة من أهل العرف قاضية بذلك بحيث لا مجال أيضا ولا ريب فيه وعليه تبنى في العادة فهم الكتب المصنفة والرسائل الواردة ونحوها وشيء من الأمرين المذكورين لا ينفعنا في المقام أما الأول قط لعدم وقوع المخاطبة معنى في شيء من الخطابات الواردة في الشريعة نعم لو قيل بعموم الخطاب الشفاهي لربما أمكن القول به إلاّ أن القول المذكور ضعيف حسبما بين في محله وأما الثاني فلعدم قيام دليل عليه كيف والمقصود في المقام حصول القطع بالحجية ولا يتم ذلك إلا مع قيام الدليل القاطع على كون تلك الخطابات من هذا القبيل بل من الظاهر خلافه بالنسبة إلى الأخبار فإن الظاهر خطاب الصادق عليه السلام لزرارة ومحمد بن مسلم مثلا لا يشمل غيره ولا يزيد بحسب ظاهر المخاطبة إلا تفهيمه وإن كان غيره مشاركا للحكم معه فإن مجرد المشاركة لا يقتضي تفهيمه بذلك الخطاب حتى يكون الكلام الوارد منه عليه السلام بمنزلة كلام المصنفين وخطابهم المقصود منه إفهام الجميع وهذا الوجه وإن لم يكن بعيدا بالنسبة إلى الكتاب فإن الظاهر كونه موضوعا لإفهام الأمة واستفادتهم منه بالتدبير فيه والتأمل في معانيه إلى يوم القيامة على ما هو الظاهر من وضع الكتب ويستفاد من بعض الأخبار أيضا إلا أنه لم يقم عليه دليل قاطع فلا يخرج أيضا من دائرة الظن المطلوب ولا دليل على حجية ذلك الظن المخصوص فلا فائدة في إدراج خطاباته تحت القسم المذكور إلا مع إقامة الدليل القاطع عليه لا بدونه كما هو الواقع فظهر بما ذكرنا أنه ليس شيء من الظنون الحاصلة عندنا بما قام الدليل على حجيته على سبيل السلب الكلي ولا يتم القول بحجية شيء منها إلا بالدليل العام القاضي بحجية الظن المجتهد مطلقا هذا كله بالنسبة إلى السند والدلالة ثم يأتي بعد ذلك ملاحظة التعارض الحاصل بينهما فإنه لما يحصل دليل معنى خال عن المعارض بالمرة وعلاج التعارض بين الأدلة من الأمور الظنية في الأغلب والأخبار الواردة فيه مع كونها ظنية معارضة أيضا ولا يستفاد المقصود منها إلا بالظن فهو ظن في ظن قلت أما المناقشة في قطعية حجية الكتاب من جهة وقوع الخلاف فيها فهو أوهن شيء لوضوح أن مجرد الخلاف في مسألة لا يقضي بكونها ظنية كيف وأغلب المطالب الكلامية فيها وقع الخلاف فيها من جماعة من العقلاء وفالحكم فيها من القطعيات وليس المدرك بحجية الكتاب منحصرا في الإجماع حتى يناقش فيه من جهة وجود الخلاف وعلى فرض انحصار دليله القطعي فيه ووجود الخلاف فيه من الجماعة مسبوق بالإجماع بل قد يدعى قيام الضرورة عليه وقد بلغت تلك المسألة في الوضوح مبلغا لا يلتفت معه إلى الخلاف المذكور ولا إلى الشبهة الواردة فيها وأما السنة المروية والأخبار الواردة عن النبي صلى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام وإن أمكن المناقشة في بادي الرأي في كون حجيتها نظرا إلى شيوع الخلاف فيها بينا من قديم الزمان إلا أن الطريقة التي قررناها في الرجوع إليها والأخذ بها هي التي استقامت عليه الشيعة من لدن زمان الأئمة عليهم السلام بحيث يحصل القطع من التأمل فيها كون ذلك ناشئا عن جماعة وإن خالف فيه من خالف فإن مجرد وجود الخلاف من جهة بعض الشبهات والتباس الأمر على المخالف لا يقضي بكون المسألة ظنية حتى إن الأخباريين توهموا من ملاحظة ذلك كون الأخبار المأثورة عن الأئمة قطعي الصدور معلوم الورود عنهم عليهم السلام بحسب الواقع وهو خطاء في مقابلة التوهم المذكور إلا أنهم خلطوا بين معلوم الحجية ومعلوم الصدور والذي ثبت من ملاحظة طريقة السلف وعملهم الكاشف عن تقرير الأئمة أو تصريحهم هو القطع بحجية تقرير صاحب الشرع ذلك طريقا موصلا إلى الأحكام كما قرر والإثبات الموضوعات لا العلم بالصدور إذ ليس شيء من الوجوه المذكورة مقيدا له وقد فصل القول فيه في محله وأما ما ذكر من المناقشة في حجية الظن المتعلق بالألفاظ وهو شيء إذ جريان السيرة المستمرة من أهل اللغات على ذلك ظاهر أيضا فكما أن المخاطب يحمل الكلام على ظاهره حتى يتبين المخرج عنه كذا غيره حسبما هو ظاهر من ملاحظة طريق الناس في فهم ما يسمعونه من الأقوال المحكية والخطابات المنقولة وقد ملئت منه كتب التواريخ وغيرها ولا يتوقف أحد في فهمها وحملها على ظواهرها حجة القول بحجية مطلق الظن وجوه أحدها وهو أقواها وأظهرها ما أشار إليه جماعة منهم تقريره على ما ذكره بعض المحققين منهم أن باب العلم بالأحكام الشرعية منسد في أمثال زماننا إلا في نادر من الأحكام مما قضت به الضرورة أو قام عليه إجماع الأمة أو الفرقة أو ثبت بالتواتر المعنوي عن النبي صلى اللَّه عليه وآله أو الأئمة عليهم السلام وليس ذلك إلا قليل من الأحكام ومع ذلك فلا يثبت بها في الغالب إلا الأمور الإجمالية فلا بد في معرفة التفصيل من الرجوع إلى سائر الأدلة وشيء منها لا يفيد العلم غالبا لعدم خلوها عن الظن من جهة أو جهات وحينئذ فيتعين العمل بالظن لقيام الإجماع بل الضرورة على مشاركتنا مع الحاضرين في التكاليف وكونه أقرب إلى العلم قلت وتوضيح ذلك أن هناك مقدمات يتفرع عليها حجية مطلق الظن أحدها أن التكاليف الشرعية ثابتة بالنسبة إلينا ولم يسقط العمل بالأحكام الشرعية عنا فنحن مكلفون بالأحكام مشاركون للموجودين في زمن النبي صلى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام وهذه المقدمة قد قام عليها إجماع الأمة بل قضت به الضرورة الدينية ثانيها أن الطريق إلى معرفة تلك الأحكام هو العلم مع إمكان تحصيله ولا يجوز الأخذ بمجرد الظن والتخمين وسائر الوجوه ما عدا اليقين كما عرفت أولا من أنه مقتضى العقل والنقل ثالثها أن طريق العلم بالأحكام الشرعية منسد في أمثال هذه الأزمنة إلا في نادر منها لوضوح أن معظم أدلة الأحكام ظنية وما يفيد القطع منها إنما يدل غالبا على أمور إجمالية يفتقر تفاصيلها إلى إعمال الأدلة الظنية وقد فرضنا أصل المسألة في هذه الصورة رابعها أن لا ترجيح عند العقل بين الظنون من حيث المدرك والمستند ولو بعد الرجوع إلى الأدلة الشرعية إذ لم يقم دليل قاطع على حجية البعض كنصوص الكتاب وبعض أقسام أخبار الآحاد فليس ذلك