الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
400
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
حينئذ في الحجية ويكون ما قررنا دليلا قاطعا على جواز الإفتاء بمقتضاها ثم إنه لا يذهب عليك أن ما قررناه بالنسبة إلى جواز الإفتاء وعدمه مجرى بعينه لو قرر بالنسبة إلى العمل بالظن بالواقع وتركه فيقال إن الأخذ بالظن والعمل به حين انسداد سبيل العلم بالواقع يتوقف على قيام الدليل القاطع عليه فإن قام دليل قاطع عليه من أن أول الأمر فذاك ومع انسداد سبيله يتنزل حكم العقل إلى الدليل الظني القاضي بالعمل به والجري على مقتضاه ومع انسداد سبيله يؤخذ بما يظن منه ثبوت الحكم في الواقع فيتساوى الظنون بأجمعها من حيث المدرك حينئذ لا قبل ذلك ولا ريب إذن في حجية الجميع وأين ذلك من القول به قبل حصول الانسداد المذكور فالخلط الواقع من الجماعة القائلين بأصالة حجية الظن بعد انسداد سبيل العلم بالواقع إنما وقع من جهة عدم التمييز بين المرتبتين المذكورتين وعدم إعطاء التأمل حقه فيما يقتضيه العقل من الأمرين المفروضين ولا ريب في حصول الترتيب بين الصورتين وذلك بحمد الله تعالى واضح لا سترة عليه الثامن أن الدليل القاطع قائم على حجية الظنون الخاصة والمدارك المخصوصة وقد دل هناك طريقا خاصا مقررا من صاحب الشريعة استنباط الأحكام الشرعية لا يجوز التعدي منه في الحكم والإفتاء ما دام التمكن منه حاصلا وما ذكروه من اعتبار القطع في الأصول لا بد من حمله على إرادة هذه المسائل ونحوها من مسائل الأصول إن يرادوا بذلك ما يعم بأصول الفقه فكيف يلتزم بانسداد سبيل العلم فيها والطريق عندنا هو الرجوع إلى الكتاب والسنة حسبما دلت النصوص المستفيضة بل التواتر على أخذ الأحكام منها والرجوع إليها والتمسك بها وهناك أخبار كثيرة متجاوزة عن حد التواتر دالة على حجية الكتاب وكذلك أخبار أخر دالة على حجية الأخبار المأثورة على حسبما فصل القول فيه في محله ويدل عليه أيضا جريان الطريقة المألوفة من لدن زمان الأئمة عليهم السلام على العمل بالأمرين بين الشيعة وأخذ الأحكام منها دون سائر الوجوه حسبما تراه العامة الضالة والأمر في رجوعهم إلى الأخبار أوضح من الشمس في رابعة النهار فإن عليها مدار المذهب ولا زالت عمل الشيعة من أزمنة الأئمة عليهم السلام على الأخبار المأثورة بتوسط من يوثق به من الرواة أو مع قيام القرينة الباعثة على الاعتماد عليها والظن بصدقها وإن كان راويها مخالفا لأهل الحق كالسكوني وأضرابه حسبما نشاهده من طريقتهم ويؤيده حكاية الشيخ اتفاق العصابة على العمل بأخبار جماعة هذا شأنهم كالسكوني وابن الدراج والطاطرين وبني فضال وأضرابهم ويشير إليه الإجماع المحكي عن الجماعة المخصوصين وفيهم فاسد العقيدة ومن البين أن الصحيح في اصطلاح القدماء هو المعمول به عندهم وقد ذكر الصدوق أن كل ما صححه شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد فهو صحيح وظاهر في العادة أن مجرد تصحيحه لا يقتضي القطع بصدق الرواية فلا يزيد على حصول الاعتماد عليها من أجله فبملاحظة ذلك وغيرها يقف عليه المتتبع في كتب الرجال وغيرها مما ليس هنا موضع ذكره لا يبقى ريب وشبهة في كون الطريقة المستقيمة الجارية بينهم الكاشفة عن تقرير الأئمة عليهم السلام إذ قولهم على كون المدار في حجية الأخبار على حصول الوثوق والاعتماد بصدق قائله وحصول الظن الغالب بصدوره عنهم عليهم السلام ويأتي إن شاء الله تفصيل القول في محله فظهر أن الظن الخاص الذي نقول بالعمل به ويجعله الشارع طريقا إلى معرفة أحكامه هو الظن الحاصل من الرجوع إلى الكتاب والسنة ولا نقول بحجية ظن سوى ذلك نعم هناك قواعد مستنبطة من السنة وأصول مقررة في الأخبار المأثورة يستفاد منها الأحكام حسبما نصوا عليهم السلام عليه في الرواية من أن علينا إلقاء الأصول وعليكم بالتفريع فتلك إذن مندرجة في السنة وأما العقل والإجماع فهما يفيدان القطع وليستا من الأدلة الظنية والمنقول بخبر الواحد إنما نقول بحجيته لما دل من السنة على حجية قول الثقة والاعتماد عليه في الشريعة فهو أيضا مستفاد من السنة مأخوذ منها فإن قلت إن حجية الكتاب قد وقع الخلاف فيها عن جماعة من الأخبارية مطلقا ومن آخرين منهم بالنسبة إلى ظواهره فغاية الأمر تحصيل الظن الاجتهادي بحجيته مطلقا ولا وجه لدعوى القطع فيها مع الشيوع خلافهم والخلاف في حجية أخبار الآحاد معروفا حتى إن السيد رحمه الله ادعى إجماعنا على عدم حجيتها بل ربما يدعى كونه من ضروريات مذهبنا كالمنع من العمدة بالقياس عندنا ومع الغمض عنه فالخلاف في تفاصيلها متداول بين الأصحاب حتى المتأخرين منهم فإن منهم من يقتصر على العمل بالصحيح ومنهم من يقول بحجية الحسان ومنهم من يقول بحجية الموثق أيضا إلى غير ذلك من الآراء المتفرقة ومع هذه المعركة العظمى من فحول العلماء كيف يعقل دعوى القطع فيها هذا بالنسبة إلى أصل الحجية وأما بالنسبة إلى الدلالة فالأمر أظهر لوضوح ابتناء الأمر فيها على الظن تارة من جهة ثبوت مفاد ألفاظها وتحصيل الأوضاع الحاصلة لها حين صدور الخطابات كوضع ألفاظ العموم للعموم ووضع الأمر للوجوب والنهي للتحريم مثلا إلى غير ذلك من المباحث الخلافية المتعلقة بالأوضاع سواء كانت شخصية أو نوعية وكثير من أوضاع الألفاظ مأخوذة من نقل الآحاد تارة من جهة عدم التصرف في استعمال تلك الألفاظ بإرادة خلاف حقائقها أو طرد الإضمار أو التخصيص أو التقييد عليها أو غير ذلك وما يتخيل من قيام الإجماع على حجية الظنون المتعلقة بمباحث الألفاظ ممنوع على إطلاقه وإنما المسلم منه ما تعلق باستعمال المستعمل بإرادة ظواهرها وعدم الخروج عن مقتضى أوضاعها بعد ثبوت الوضع إلى أن يقوم القرينة على خلافه وليس كذلك أيضا على إطلاقه بل إنما المسلم منه خصوص صورتين لا يتعداهما لاختصاص الدليل بهما أحدهما بالنسبة إلى المخاطب بذلك الخطاب إذ عليه بناء اللغات وعليه تجري المخاطبات والمحاورات الدائرة بين الناس في جميع الألسنة من لدن زمان آدم عليه السلام إلى يومنا هذا كيف ولولا ذلك لكان تقرير اللغات لغوا إذ ليس مفادها غالبا إلا الظن وأما غير من ألقي إليه ذلك الكلام سواء كان ذلك العصر أو الأعصار المتأخرة فلا يفيد الوجه المذكور حجية ظنه في فهم مراد المتكلم لعدم وقوع المخاطبة إياه وعدم كونه مقصودا بالإفادة من العبارة فلا بد له تحصيل فهم المخاطب فإن أمكن تحصيله عن وجه اليقين فلا كلام وإلا كان الاعتماد على الظن به موقوفا على أصالة حجية الظن إذ لا دليل عليه بالخصوص يفيد القطع بحجيته والدليل المتقدم لا يجري بالنسبة إليه فينحصر الأمر في الاعتماد عليه في الاندراج تحت ذلك الأصل ثانيهما أن يكون الكلام موضوعا لأفهام من يصل إليه مطلقا أو لأفهام