الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
399
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ادعوها قلت لا حاجة في الحكم بالرجوع إلى الظن في المقام إلى ملاحظة الدليل العام بل العلم ببقاء التكليف بالرجوع إلى الكتاب والسنة في الجملة بعد انسداد سبيل العلم بالتفصيل حسبما فرض يقضي بحكم العقل بتعين الرجوع إلى الظن في ذلك فيكون الظن المذكور قائما مقام العلم قطعا ومعه فلا حاجة إلى الرجوع إلى غيره من الظنون وينطبق عليه ما دل عليه العقل من حجية الظن في الجملة فإن قلت إن الوجه المذكور الدال على الانتقال من العلم إلى الظن في المقام كما يجري فيما ذكر كذا يجري في التكاليف عند انسداد باب العلم بها وكما لا يكون اعتباره في كل منهما منفردا قاضيا بتعدد الدليل وخروجه عن الاندراج تحت الأصل المذكور فكذا هنا قلت ليس المقصود بالظن الخاص إلا ما قام الدليل الخاص على حجيته مع قطع النظر عن قيام الدليل على حجية مطلق الظن وذلك حاصل بالنسبة إلى الظن الحاصل من الرجوع إلى الكتاب والسنة لقيام الإجماع على وجوب الرجوع إليهما مع عدم حصول العلم منهما بالواقع وعدم ثبوت طريق خاص في الرجوع إليهما كما هو المفروض إذ مؤداه حينئذ حجية الظن الحاصل منهما مطلقا ولا ربط لذلك بالقول بحجيتها من جهة انسداد باب العلم بالحكم المستفاد منهما وانحصار الأمر في الوصول إليه بالرجوع إلى الظن حسبما قرره في الاحتجاج لإدراج ذلك في مصاديق الأصل المذكور لما عرفت من وضوح خلافه فإن قلت إن المراد من القول بإدراجه تحت الأصل المذكور أن جهة حجية الظن المستفاد منهما مطلقا هو العلم ببقاء التكليف بالرجوع إليهما وانسداد سبيل العلم بالطريق الذي يجب الأخذ به في الرجوع إليها فجهة حجية هذا الظن في المقام هي بعينه جهة حجية مطلق الظن بسائر الأحكام فلا يكون لخصوصيّته مدخلية في ذلك فإن قلت كون الدليل المذكور على طبق ذلك الدليل العام لا يقضي بكون ذلك من جزئيات ذلك الدليل وكون الأخذ به من جهة الاندراج تحت الأصل العام ليكون المناط في حجيته هي الجهة العامة وهو ظاهر ومع الغمض عن ذلك نقول إن كون الطريق بعد القطع ببقاء التكليف وانسداد سبيل العلم به وعدم ثبوت طريق آخر هو الظن بذلك أمر واضح في نظر العقل لا مجال لإنكاره فإذا لوحظ ذلك بالنسبة إلى نفس الأحكام قضى بحجية الظن المتعلق بها من أي طريق كان إن لم يثبت هناك طريق خاص وإذا لوحظ بالنسبة إلى الطريق المقرر لاستنباط الأحكام كالرجوع إلى الكتاب والسنة بعد ثبوت مطلوبية الأخذ بذلك بعد انسداد سبيل العلم بتفصيل ما هو الحجة منه قضى بحجية الظن المتعلق به مطلقا إن لم يثبت هناك خصوصية لبعض الوجوه وحينئذ نقول إنه إذا لوحظ هذان الأمران قضى العقل بتقديم الثاني على الأول فإنه إذا ثبت بذلك حجية الظن بحجية بعض الطرق لاستنباط الأحكام إذا كان كافيا في الاستنباط قضى بانصراف ما دل على حجية الظن في الجملة إلى ذلك فإن ما يستفاد منه هو حجية جميع الظنون المتعلقة بالواقع إلا إذا ثبت هناك طريق للاستنباط والمفروض هنا ثبوت الطريق المذكور فلا يثبت من ملاحظة الوجه الأول ما يزيد على ذلك فإن حجية الظن على خلاف الأصل وإنما يقتصر فيه على القدر الثابت وحيث لا يكون ترجيح بين الظنون يحكم بحجية الكل لعدم المناص عن الأخذ به وعدم ظهور الترجيح بين الظنون وبعد ثبوت هذا الوجه الخاص والاكتفاء به في الاستنباط لا بحكم العقل قطعا بعد ملاحظة الوجه الأول بحجية ما عدا ذلك من الظنون السابع أنه لا شك في كون المجتهد بعد انسداد باب العلم مكلفا بالإفتاء وأنه لا يسقط عنه التكليف المذكور من جهة انسداد سبيل العلم ومن البين أن الإفتاء فعل كسائر الأفعال بحيث يحكم الفرع على بعض الوجوه ويحرم على آخر فحينئذ إن قام عندنا دليل على تمييز الواجب عنه عن الحرام فلا كلام في تعين الأخذ به ووجوب الإفتاء بذلك الطريق المعلوم وحرمة الإفتاء على الوجه الآخر وإن انسد سبيل العلم بذلك أيضا تعين الرجوع في التمييز إلى الظن ضرورة بقاء التكليف المذكور وكون الظن هو الأقرب إلى الواقع فإذا دار أمره بين الإفتاء بمطلق الظن أو بمقتضى الظنيات الخاصة دون مطلق الظن لم يجز له ترك الفتوى مع حصول الأول ولا الإقدام عليه بمجرد قيام الثاني إذ هو ترك الظن وتنزل إلى الوهم من دون باعث عليه فإن قلت إن الظن بثبوت الحكم في الواقع في معنى الظن بثبوت الحكم في شأننا وهو مفاد الظن بتعلق التكليف ينافي في الظاهر فكيف يقال بالانفكاك بين الظن بالحكم والظن بتعلق التكليف في الظاهر المرجح للحكم والإفتاء قلت إن أقصى ما يفيده الظن بالحكم هو الظن بثبوت الحكم في نفس الأمر وهو لا يستلزم الظن بجواز الإفتاء ووجوبه بمجرد ذلك ضرورة جواز الانفكاك بين الأمرين حسبما مر بيانه في الوجوه السابقة ألا ترى أنه يجوز قيام الدليل القاطع أو المفيد للظن على عدم جواز الإفتاء حينئذ من دون العارض ذلك التعلق بنفس الحكم ولذا يبقى الظن بالواقع مع حصول القطع أو الظن بعدم جواز الإفتاء بمقتضاه إلا أن يقوم دليل قاطع أو مفيد للظن بخلافه عرية عن البيان كيف وضرورة الوجدان قاضية بانتفاء الملازمة بين الأمرين ولو مع انتفاء الدليل المفروض نظرا إلى احتمال أن يكون الشارع قد منع من الأخذ به نعم لو لم يقم هذا الاحتمال كان الظن بالحكم مستلزما للظن يتعلق التكليف في الظاهر فإن قلت إن مجرد قيام الاحتمال لا ينافي حصول الظن سيما بعد انسداد سبيل العلم بالواقع وحكم العقل حينئذ بالرجوع إلى الظن قلت الكلام حينئذ في مقتضى حكم العقل فإن ما يقتضيه العقل توقف الإفتاء على قيام الدليل القاطع على جوازه وبعد انسداد سبيله ينتقل إلى الظن به ومجرد الظن بالواقع لا يقتضيه مع عدم قيام الدليل الظني على جواز الإفتاء بقيام ظنيات مخصوصة لزم الأخذ بمقتضاه وإذا لم يقم على جواز الإفتاء بها نعم إن لم يقم دليل ظني عن الرجوع إلى بعض الطرق مما يكتفي به في استنباط القدر اللازم من الأحكام أو على جواز الرجوع إلى بعضها وكانت الظنون متساوية من حيث الدرك في نظر العقل كان مقتضى الدليل المذكور القطع بوجوب العمل في الجميع وجواز الإفتاء بكل منها لوجوب الإفتاء حينئذ وانتفاء المرجح بينها وأما مع قيام الدليل الظني على أحد الأمرين المذكورين أو كليهما فلا ريب في عدم جواز الرجوع إلى مطلق الظن بالواقع والحاصل أن الواجب أولا بعد انسداد سبيل العلم بالطريق المجوز للإفتاء هو الأخذ بمقتضى الدليل القاضي بالظن بجواز الإفتاء سواء أفاد الظن بالواقع أو لا ومع انسداد سبيل الظن به يؤخذ بمقتضى الظن بالواقع ويتساوى الظنون