الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

368

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

على ما سنقرره إن شاء الله وكيف كان فالمختار عدم انصرافه إلى العموم أيضا إلا في بعض مواضع نادرة تقضي الحكمة به بحسب المقام كما سنقرره ويدل عليه أن المتبادر من الجمع المنكر في الاستعمالات ليس الرجوع إلى العرف خلافه إلا الوحدات المتعددة ما فوق الاثنين كما هو المفهوم من الجمع وليس مفاد التنوين فيه إلا التمكن ولا دلالة فيه على الوحدة كما هو الحال في المفرد ولا يفيد إطلاقه على عدد خاص ولا مرتبة مخصوص من الجميع فالمعنى المستفاد منه صادق على جميع مراتب الجمع من غير ترجيح لخصوص المرتبة العليا منه بوجه من الوجوه والقدر المتيقن منه هو الأول فلا دلالة في لفظه على خصوص الماهية العليا ولا قرينة فإنه يفيد إطلاقه عليها وإلا لانساق ذلك منه إلى الفهم عند الإطلاق وهي المعلوم بعده ودعوى اقتضاء الحكمة به ممنوعة إلا في بعض موارد خاصة ولا ربط له بمحل البحث في المسألة وتوضيح القول في ذلك أن الجمع المنكر إما أن يقع في مورد الإخبار وحينئذ فإما أن يتعلق به حكم من الأحكام كأكل وربح المتاجر ونحو ذلك أو غيرها من سائر الأخبار كجاءني رجال أو يقع متعلقا للأمر أو يقع للشرط المتعلق عليه حكم من الأحكام الشرعية أو غيرها فهاهنا صور أحدها أن يقع متعلقا للأخبار سواء كان ركنا في الإسناد نحو جاءني رجال أو كان من متعلقات المخبر به كدفعت إليه دراهم وحينئذ فالقدر المستفاد منه وقوع أقل الجمع ولا دلالة فيه على ما يزيد على ذلك إذ العام لا دلالة فيه على الخاص وإنما أفاد الأقل لاشتراكه بين جميع المراتب ولا دلالة فيه على تعيين المصداق على نحو ما ذكرناه في المفرد المنكر إلا أن ذلك يفيد وحدة المخبر به وهذا يفيد تعدده بما يزيد على الاثنين فالإبهام الحاصل في الفروض من جهة واحدة وهو عدم تعين الفرد الذي تعلق الإخبار به وهنا من جهتين أحدهما دوران الجمع بين الثلاثة أو ما فوقها إلى أن يستغرق الجميع ليكون الجمع موضوعا لإفادة القدر المشترك بينها فلا يتعين شيء من مراتبه وحيث كان أقلها الثلاثة دل على حصوله قطعا ويكون إطلاقه على ما يزيد عليها في مقام الاحتمال وليس ذلك من جهة إجمال اللفظ ودورانه بين أمور كما هو الحال في المشترك بين المعاني وإن كانت تلك المعاني متداخلة فإن نفس المعنى غير متعين هناك بل من جهة كون معناه صادقا على الجميع وحاصلا بكل منها فمعنى اللفظ ومفاده متعين في المقام أعني ما فوق الاثنين إلا أن ذلك المعنى غير متعين الصدق على مرتبة معينة بل يصدق على مراتب غير متناهية فلا دلالة في اللفظ إلا على القدر المشترك من غير أن يدل على شيء من تلك إلى هنا جف القلم [ الفصل الثاني في جملة مباحث التخصيص ] أصل في جملة مباحث التخصيص التخصيص قصر الحكم المتعلق بالعام على بعض مدلوله فلو تعلق الحكم من أول الأمر على بعض مدلوله لم يكن تخصيصا كما في قولك أكرم بعض العلماء وكذا يخرج عنه التخصيص المتعلق بغير العام في نحو قولك له على عشرة إلا ثلاثة وأكلت الخبز إلا نصفه ويخرج عنه أيضا التخصيص المتعلق ببعض أحوال العام كما في قولك أكرم العلماء إلى يوم الجمعة أو في يوم الجمعة إذ لا عموم بالنسبة إلى الأحوال حتى يكون إخراج الحال المذكور تخصيصا له وإنما العموم الحاصل فيه بالنسبة إلى الأفراد وهو حاصل في المثال المفروض فهو يفيد بحسب الظاهر الإطلاق القاضي بالاكتفاء بالإكرام الحاصل في أي وقت كان ويخرج عنه أيضا إطلاق العام على بعض أفراده لا على وجه تخصيص كما إذا قلت رأيت كل الرجل وقد رأيت زيدا تنزيلا له بمنزلة الجميع ويندرج فيه ما إذا كان التخصيص قرينة على إطلاق العام على بعض مدلوله وما إذا كان مخرجا لبعض الأفراد عن الحكم المتعلق به وإذا استعمل العام فيما وضع له من العموم في وجه وقد يطلق التخصيص على ما يعم قصر الحكم المتعلق بغير العام على بعض مدلوله ويعرف حينئذ بأنه إخراج بعض ما يتناوله الخطاب وذلك كالتخصيص المتعلق بأسماء العدد وإخراج بعض الأجزاء عن الكل كما في أكلت السمكة إلا رأسها ثم إن المخصص قد يكون متصلا وقد يكون منفصلا والصلة وإن كانت في معنى الصفة إلا أنها ليست مخصصة للموصول وذلك لعدم تمامية الموصول إلا بها فعمومه إنما هو على حسب صلته بخلاف الموصوف وأما القيود المتعلقة بالصلة فهل يعد تخصيصا وجهان من تمامية الموصول بنفس الصلة فيكون ذلك مخصصا له ببعض الأفراد ومن كونه بمنزلة جزء الصلة فيكون عموم الموصول على حسبه والمخصص المتصل أمور خمسة الاستثناء والشرط والصفة والغاية وبدل البعض من الكل ويندرج في الصفة وسائر القيود المنضمة إلى اللفظ مما يوجب تقييد الحكم به والمراد بالمتصل ما لا يستقل بنفسه وبالمنفصل ما يكون مستقلا في إفادة الحكم وإن اتصل بالعام لفظا والتخصيص المنفصل قد يكون عقليا وقد يكون نقليا نصا أو إجماعا [ أصل اختلفوا في منتهى التخصيص إلى كم هو ] أصل اختلفوا في منتهى التخصيص إلى كم هو ظاهر إطلاقهم في المقام يعم التخصيص الواقع على كل من الوجوه المتقدمة والظاهر أن المراد بالتخصيص هو الإطلاق الأول أعني ما يرد على العام المصطلح دون ما يرد على الكل من جهة شموله لأجزائه كما في أسماء العدد ونحوها وإن لم يبعد اتحاد المناط في المقامين ثم إن التخصيص الوارد على العام إما أن يكون بالنسبة إلى خصوص الأفراد المندرجة تحته أو الأنواع المندرجة فيه وحصول تخصيص الأكثر على كل من الوجهين إما أن يستلزم له كذلك على الوجه الآخر أو لا ثم إنه إما أن يلحظ الأكثر بالنسبة إلى ما هو الموجود من أفراد العام وإن كان غير الموجود أضعافه أو يلحظ بالنسبة إلى الأفراد أو الأنواع مطلقا مع بقاء أغلب الأفراد أو الأنواع الموجودة وعدمه ثم إن التخصيص إما أن يكون مع إرادة العموم من اللفظ فيخرج المخرج من الحكم وقد يكون باستعمال اللفظ في خصوص الباقي حسبما أشرنا إليه ثم إن لهم في المسألة أقوالا عديدة أشار المصنف رحمه الله إلى جملة منها ومنها أن يعتبر فيه بقاء جمع غير محصور سواء كان المخرج أقل أو أكثر ومنها التفصيل بين الجمع وغيره فيعتبر بقاء أقل الجمع في الأول ويجوز إلى الواحد في الثاني ومنها ما ذهب إليه الحاجبي ففصل بين المخصص المتصل والمنفصل ثم فصل في المتصل بين ما يكون باستثناء أو يدل بعض فجوزه إلى الواحد وما يكون بغيرهما من الشرط والصفة والغاية فاعتبر فيه بقاء الاثنين وفي المنفصل بين ما يكون العام منحصرا في محصور قليل نحو قتلت كل زيدين وهم ثلاثة أو أربعة مثلا فيجوز التخصيص حينئذ إلى الاثنين وما لا ينحصر أفراده فاعتبر بقاء الجمع يقرب من مدلول العام والأظهر عندي دوران الأمر في الجواز والمنع مدار الاستنكار والاستقباح العرفي فكلما لم يكن مستقبحا بحسب العرف يجوز التخصيص على حسبه ومع الاستقباح يمنع منه وذلك مما يختلف جدا بحسب اختلاف المقامات لنا على الجواز مع عدم الاستقباح فبأنه إن كان التخصيص على وجه الحقيقة من دون لزوم تجوز في المقام فظاهر وإن كان على وجه التجوز فلما عرفت سابقا من دوران الأمر في المجاز مدار عدم الاستقباح وعدم إباء العرف عن الاستعمال