الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

369

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من غير لزوم مراعاة شيء من خصوصيات العلائق المعروفة ولو سلم اعتبار تلك الخصوصيات لعلاقة العام والخاص إلا من جملة تلك العلائق وهو الحاصل في العمومات المخصوصة والقول بكون المراد به العام والخاص المنطقي دون الأصولي موهون بما سيجيء بيانه إن شاء الله مضافا إلى أنه يمكن حصول علاقة المشابهة في المقام أيضا وإن كان الباقي أقل أداء مقاربا للكل في الثمرة كما في قولك أخذت كل ما في الصندوق وفيه آلاف من الأشياء وقد أخذت واحدا منها يعادل في القيمة جميع الباقي ويزيد عليه وقولك أكلت كل رمّانة في المحرز إلا ما كان فاسدا ولم يكن الصحيح منه إلا أقله وقد يكون ذلك من جهة إفادة المبالغة في دعوى المشابهة وكون الباقي كالعدم كقول الضيف للمضيف أكل كل ما في الخوان وإنما أكل قليلا منه إلى غير ذلك من الأمثلة وعلى المنع منه مع الاستقباح فلأن التخصيص إما تجوز في لفظ العام أو تصرف في مدلوله على وجه تقتضي بالتصرف في اللفظ وكلا الأمرين يتوقف على ترخيص الواضع وهو غير حاصل مع استقباحه في العرف ولو قيل بعدم توقفه عليه في الوجه الأخير فلا ريب في قضاء منعه منه بعدم الجواز والقبح العرفي كاشف من حصول المنع فإن قلت إن الاستقباح الحاصل في المقام ليس من جهة قبح نفس الاستعمال الكاشف عن منع الواضع بل من جهة سوء التعبير وركاكة البيان على نحو قولك أكلت رمانة ورمانة ورمانة وهكذا أن يكمله عشرا وعشرين فإنه ينبغي أن يعبر عنه بقوله أكلت عشر رمانات أو عشرين وكذا إذا دار التعبير عن أكل رمانتين أو ثلاثا ينبغي أن يعبر عنه بلفظ لا أن يقول أكلت كل رمانة ثم يستغني عنه إلى أن يبقى واحد أو اثنان أو ثلاثة ومما يشير إلى ذلك أنه لو كان المنع من جهة اللغة لاطرد الاستقباح المذكور وليس كذلك لوضوح استحسانه في بعض المقامات حسبما أشرنا إليه فذلك شاهد على كون المنع من جملة الاستقباح من جهة ركاكة التعبير وخلو العدول إليه من النكتة اللائقة فلذا يستحسن مع وجودها في المقام ولو كان ذلك من أجل المنع اللغوي لم يحسنه مراعاة المقام قلت الظاهر إن القبح الحاصل في المقام إنما هو في إطلاق لفظ العام على الوجه المذكور وليس ذلك من قبيل سوء التعبير الحاصل بملاحظة التراكيب بل من جهة نفس إطلاقه الأفرادي وذلك قاض بكون الاستعمال غلطا خارجا عن قانون اللغة كما هو الحال في نظائره من الأغلاط إذ ليس القاضي بالمنع من الاستعمال بالنسبة إليهما سوى الاستقباح المذكور وعدم تجوز العرف للاستقباح كما في هذا المقام وما ذكر من أنه لو كان مستندا إلى الوضع لجرى في جميع الاستعمالات وإن لم يختلف الحال فيه بحسب المقامات غير متجه لوضوح اختلاف المعاني المجازية صحة وفسادا بحسب اختلاف المقامات لاختلاف الخصوصيات الملحوظة في كل مقام وليس مجرد صحة التجوز في مقام قاضيا باطراده في سائر المقامات ولذا قالوا بعدم لزوم الاطراد في المجازات ألا ترى أنه يصح إطلاق اليد على الإنسان في مقام الأخذ والإعطاء ونحوهما ولا يصح إطلاقها عليه في غير ذلك المقام وكذا إطلاق الرقبة في مقام يرتبط بالرقبة ونحوها دون غيره حسبما مر تفصيل القول فيه في محله وهذا أمر واضح بالنسبة إلى المجازات بل يمكن القول به في الحقائق أيضا إذا اشتمل على تصرف زائد على مجرد استعماله مما وضع له كما هو المفروض في المقام لو قلنا باستعماله فيه فإذا صح بحسب المقام تخصيص العام بالأكثر بملاحظة خصوصية مجوزة له جاز استعمال العام على الوجه المذكور كما إذا نزل الباقي منزلة المعظم أو الكل وأطلق لفظ العام عليه تنزيلا له بتلك المنزلة فيصح الاستعمال ولو كان المخرج أضعاف ما أطلق اللفظ عليه أو نزل القليل الحاصل منه منزلة الكثير إما لدعوى استجماعه لصفات الكل أو الحمل أو لاكتفائه بذلك عن الكل على حد قولك حصل لي اليوم كل الربح إذا حصلت منه قدرا كافيا لا تتوقع الزيادة عليه فيدور الأمر جوازا ومنعا مدار ذلك وليس ذلك كاشفا عن جواز الاستعمال كذلك مطلقا وإن كان في بعض المقامات مستحسنا موافقا للبلاغة واردا على وفق مقتضى الحال وفي بعض المقامات على خلاف ذلك وإنما يدور الجواز والمنع مدار ذلك من جهة حصول المصحح في بعض تلك المقامات دون غيره حسبما بينا نعم لو كان الأمر الملحوظ في كل من تلك المقامات شيئا واحدا من غير اختلاف في اعتباراته والجهات الملحوظة معه فحسن في مقام وقبح في آخر كان ذلك شاهدا على عدم استناد التحسين والتقبيح إلى الوضع وإلا لم يختلف الحال فيه كذلك وليس الحال على ذلك فظهر بما قررنا أن تخصيص العام إلى أن يبقى واحد أو اثنان أو ثلاثة ونحوها من مراتب تخصيص الأكثر مما لا يجوز مع قطع النظر عن ضم أمر آخر وملاحظة جهة أخرى معه ولا يختلف الحال فيه من تلك الجهة بحسب المقامات وإنما يختلف الحال فيه بحسب اختلاف سائر الأمور المنضمة إليه ومن ذلك ما إذا كان المخرج صنفا والباقي صنفا آخر مع انحصار الباقي بحسب المصداق في الواحد أو الاثنين أو الثلاثة أو نحوها وهو في التوصيف والشرط ونحوها مما لا ينبغي الريب فيه بل لا يبعد القول بكون الاستعمال على وجه الحقيقة كما في قولك أكرم كل عالم عادل وأكلت كل رمانة صحيحة في البستان وأهن كل فاسق إن أمنت شره إذ لا يبعد القول بانتفاء التجوز فيه وإن كان الباقي أقل وسيجيء تفصيل القول في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى وهو اختيار المرتضى رحمه الله قد عزاه الشريف الأستاذ إلى أكثر أصحابنا قال وبه قال ابن إدريس وحكى الخلاف في ذلك عن ابن الجنيد وهو قول العلامة رحمه الله وظاهر انتفاء الخلاف في ذلك بين الأصحاب حيث نسب الخلاف في ذلك إلى العامة قوله رحمه الله لنا القطع بقبح قول القائل إلى آخره هذا أحد الوجوه التي يحتج بها على القول المذكور وأنت خبير بأن ما ذكر لا يفيد الحكم بالمنع على سبيل الإطلاق كما هو المدعى غاية الأمر ثبوت المنع مع حصول الاستقباح كما في الأمثلة المذكورة سيما مع ثبوت القول بالتفصيل بين المخصص المتصل والمنفصل فحصول الاستقباح مع انفصال المخصص لا يستلزم المنع مع اتصاله وعدم ظهور استقباحه كما في قولك أكلت كل رمانة حامضة في البستان وفيه آلاف من الرمان ولا حامض فيها إلا ثلاثة وكذا قولك كل من دخل داري من أصدقائي فأكرمه ولم يكن الداخلون من أصدقائك سوى ثلاثة مثلا وهكذا مضافا إلى ما عرفت من عدم دلالته على المنع بالنسبة إلى المخصص المنفصل على سبيل الإطلاق أيضا غاية الأمر أن يفيد المنع مع عدم ضم جهة خارجية مسوغة للتعبير المذكور يرتفع به القبح وأما مع انضمامها كما عرفت تفصيل الكلام فيه مما قررنا فلا قبح ولا منع وقد يمنع في المقام من دلالة التقبيح المذكور على المنع كما مرت الإشارة وقد عرفت الجواب عنه فلا يفيده ثانيها أن معاني الألفاظ