الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
353
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الجهة وهذا الجهة هو الذي يخطر بالبال في هذا المقام وهو المختار ويساعده التأمل في الاستعمالات ولا تجوز حينئذ في اللام ولا في مدخولها أما الأول فلكونها موضوعة للتعريف والإشارة إلى مدخولها وهو حاصل في المقام غير أن التعريف الوارد على مدخولها من جهة مخصوصة لا بملاحظة خصوصية وذلك غير مخرج لها عن مقتضى وضعها وأن كان الظاهر منه مع الإطلاق وانتفاء القرينة هو الوجه الثاني وأما الثاني فلاستعماله في مدلوله أعني خصوص الأفراد وإن لم يطلق على مرتبة معينة من مراتبه وورود التعريف عليها بملاحظة اتحادها مع الطبيعة وكونها عينها في الخارج لا يقضي بخروجها عن معناها إن لا يمنع ذلك عن إرادة الأفراد منها فالحل في المقام على عكس المفرد المعرف فإن حرف التعريف هناك إلى الفرد يتوقف على قيام الدليل عليه بإطلاق الكلي على الفرد أو جعل الطبيعة مرآتا لملاحظة جزئياته على ما سيجيء بيانه إن شاء الله كصرف التعريف في الجمع المعرف إلى الطبيعة بملاحظة الأفراد من حيث اتحادها مع الطبيعة مرآة لملاحظة وإيراد التعريف عليها من تلك الجهة حسبما قررناه هذا ولنتمم الكلام في المرام برسم أمور أحدها أنه لا ريب أن الاستغراق الوارد على المفرد اشتمل من الاستغراق الوارد على الجمع فإن قولك لا رجل في الدار يفيد نفي الآحاد بخلاف لا رجال فيها ولذا يصدق الثاني مع وجود رجل أو رجلين في الدار وكذا قولك كل رجل أتاني فله درهم وكل رجال أتوني فلهم كذا فإنه لا ينسب ذلك لرجل أو لرجلين في الدار على الثاني بخلاف الأول وقد اختلفوا في المفرد المحلى باللام الاستغراق والجمع المحلى بلام الاستغراق أن المفرد أشمل من الجمع أم هما سيان في الشمول فذهب بعضهم إلى الأول والمختار عند جماعة هو الثاني وهو المعروف بين المتأخرين وبه نص صاحب الكشاف وغيره من أئمة التفسير وهو المختار حجة الأول أنه كما يكون استغراق المفرد شموله لجميع الوحدات والأفراد المندرجة تحت مدخول اللام كذا استغراق الجمع إنما يكون لشموله لجميع الجموع ووحدات الجمع المندرجة تحت جنس الجمع ومن البين صدق الثاني مع تخلف الحكم عن الواحد والاثنين بخلاف الأول حسب ما ذكر في الاستغراق الحاصل في غير المعرف قال المحقق الشريف بعد ما نص على أن المفرد المعرف بلام الاستغراق يفيد استغراق الآحاد وأما الجمع فلما دل على الجنس مع الجمعية فلو أجري حاله في الاستغراق على قياس حال المفرد كان معناه كل جماعة جماعة لا كل واحد فإذا نسب إليه حكم كان الظاهر انتسابه إلى كل جماعة انتهى وأورد عليه بوجوه منها أنه لو كان مفاد الجمع ما ذكر لزم التكرار في معناه فإن الثلاثة جماعة والأربعة جماعة فيندرج الثلاثة فيهما والخمسة كذلك فيندرج الثلاثة والأربعة فيها وهكذا إلى أن يبلغ من حيث هو كل فإنه أيضا جماعة فيكون معتبرا في الجمع المستغرق مع اندراج سائر المراتب المعتبرة فيه فلا ألا ترى الأئمة يفسرون الجماعة المعرفة لكل واحد واحد أو بالمجموع من حيث هو مجموع لا بكل جمع جمع كذا يستفاد من كلام المحقق الشريف وفيه أولا النقض بالاستغراق الوارد على الجماعة كما في قولك أكرم كل جماعة من العلماء وأعط كل جمع من القوم إذ لا ريب في صحة الاستعمال المذكور من دون غضاضة مع جريان الكلام المذكور فيه حرفا بحرف وثانيا بأن المستفاد من قولنا كل جماعة هو استغراق الجماعات الغير المتداخلة كما يشهد به ملاحظة العرف ولذا لا يتوهم فيه حصول التكرار فكذا الحال في الاستغراق المفهوم من الجمع المعرف ومنها أنه لو سلم مفاد الجمع في المقام كل جمع فلا يمكن خروج الواحد والاثنين لأن الواحد مع اثنين آخرين من الآحاد والاثنين وواحد آخر منها جمع من الجموع داخل في الحكم فيعم الحكم لجميع الآحاد على نحو عموم المفرد ولا يتم ما ذكر من الفرق كذا أورد التفتازاني في شرح التلخيص ويدفعه أن أقصى ما يفيد ذلك ثبوت الحكم للوحدات في ضمن الجمع لا في نفسها بخلاف الاستغراق المتعلق بالمفرد فقوله أكرم الرجل الذي يأتيني يعم الوحدات أجمع بخلاف قوله أكرم الرجال الذي يأتوني فإنه لا يشمل ما إذا كان الجائي واحدا أو اثنين وما ذكره من الوجه غير جار فيه على أنه إذا عد الواحد أو الاثنين مع الاثنين أو الواحد جمعا لم يصح اعتباره مع غيره جمعا آخر لما عرفت من عدم انفهام التكرار فيبقى ذلك الواحد أو الاثنين بعد ملاحظة سائر الجموع خارجا عنها إلا أن بعد تلك الجماعات أربعة أو خمسة ولا دليل عليه وقضية الأصل عدمه مضافا إلى حصول فرق آخر وهو تعلق الحكم بناء على كونه مستغرقا للوحدات بخصوص كل من الآحاد وبناء على القول الآخر يتعلق الحكم بالجماعات فلا يكون الواحد والاثنين مناطا للحكم وإنما يناط بالحكم بهما في ضمن الجماعة ومنها أنه إنما يتم ذلك لو كان إفادته الاستغراق بملاحظة وضع كل من اللام والجمع بالاستقلال بناء على إفادة اللام للاستغراق ومدخوله للجمع ليكون ضم الأول إلى الثاني مفيدا للاستغراق الجموع وليس كذلك بل إفادته الاستغراق إنما هي بوضع جديد متعلق بالهيئة التركيبية حسبما مر وليس مفاد ذلك استغراق الجموع بل الآحاد كما سيجيء بيانه بل لو لوحظ فيه كل من الوضعين بأنفسهما كان المستفاد منهما إذن تعريف جنس الجمع دون استغراق آحاد الجموع كما مرت حكايته من غير واحد من المتأخرين وفيه ما تقدم من ضعف القول بثبوت وضع جديد للهيئة التركيبية بل ليس استفادة العموم من الجميع إلا بملاحظة كل من وضع اللام والجمع حسبما مر بيانه حجة القول الثاني على ما يستفاد من كلام جماعة من المتأخرين وجوه أحدها التبادر فإن المفهوم من الجمع المعرف بحسب العرف هو استغراق دون الجموع كما تعرف ذلك من ملاحظة موارد استعماله ولذا نص جماعة بانسلاخه عن معنى الجمعية حيث لا تفاوت بين ما يستفاد منه وما يستفاد من الاستغراق الوارد على المفردات فإن المفهوم من قولك أكرم العلماء هو المفهوم من قولك أكرم كل عالم ثانيها نص جماعة من أئمة الفن عليه قال التفتازاني إنه مما ذكره أكثر أئمة الأصول والنحو وصرح أئمة التفسير في كل ما وقع في التنزيل من هذا القبيل نحو إني أعلم غيب السماوات والأرض وعلم آدم الأسماء كلها وإذ قلنا للملائكة اسجدوا وإن الله يحب المحسنين وما هي من الظالمين ببعيد وما اللّه يريد ظلما للعالمين إلى غير ذلك ذكر أن كلام الزمخشري في الكشاف مشحون بذلك حيث قال في قوله وإن الله يحب المحسنين إنه جمع يتناول كل محسن وفي قوله تعالى وما اللّه يريد ظلما للعالمين أنه نكر ظلما وجمع العالمين على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه في قوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما أي ولا تخاصم عن خائن قط وفي قوله رب العالمين أنه جمع ليشمل كل جنس مما سمي بالعالم ثالثها أنه يصح بلا خلاف جائني العلماء إلا زيدا وجائني القوم إلا