الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
354
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عمرا مع امتناع قولك جائني كل جماعة من العلماء إلا زيدا بناء على إرادة الاستثناء المتصل ولو كان مفاد اللفظين واحدا لجاز ذلك في المقامين وأورد عليه بأنه لا شك في جواز استثناء البعض من الكل على نحو الاستثناء المتصل حسبما نص عليه المحققون من النحاة تقول رأيت زيدا إلا صدره وله علي عشرة إلا واحدا ونحو ذلك مع عدم كون المستثنى من أفراد المستثنى منه بل من أجزائه فلم لا يجوز أن يكون الاستثناء في المقام على الوجه المذكور ويدفعه أن من الظاهر أن قضية الاستثناء اندراج المستثنى في المستثنى منه سواء كان من قبيل اندراج الخاص تحت العام أو الجزء تحت الكل فيصح الاستثناء على كل من الوجهين إلا أنه إذا كان هناك عموم وارد على كل كان الظاهر ورود الاستثناء على العموم دون ذلك الكل ولذا لم يجز أكرم كل جماعة من العلماء إلا زيدا هذا بالنظر إلى ما هو الظاهر من إخراجه عن العام وأما إخراجه عن خصوصيات ما اندرج في العام فلا مانع منه أيضا إلا أنه خارج عن ظاهر العبارة ومبنى الاستدلال على جواز استخراجه عن العام كما هو الظاهر من ملاحظة الاستعمالات لا على المنع منه على الوجه الآخر وإن كان خارجا عن مقتضى الظاهر حسب ما توهم وبهذه الوجوه وإن ظهر كون المفهوم من الجمع المحلى باللام استغراق الآحاد دون الجموع لكن لا يظهر منها الجهة الباعثة على انصرافه إليه واستفادة ذلك منه مع أن الذي يتراءى في الظاهر كون مفاد الاستغراق الوارد عليه استغراق الجماعات دون الآحاد ولذا اختار جماعة كون الاستفادة المذكورة من جهة وضع جديد متعلق به ينسلخ باعتباره من منع الجمعية وقد يشير إليه كلام المحقق الشريف حيث قال بعد أن ذكر كون مفاد الجمع المعرف استغراق الآحاد دون الجموع كأنه قد بطل فيه معنى الجمعية لكنك قد عرفت وهن القول بثبوت وضع جديد للماهية التركيبية بكون انفهام الاستغراق من جهته كما زعموه وكذا القول بانسلاخه عن الجمعية إذ قد عرفت إطلاقه حينئذ على الدرجة العليا من مراتب الجمع فهو في إفادة الجمعية فوق سائر الجموع ما اطلعت على ما دونه من المراتب فكيف يصح القول بعدم إفادته لمعنى الجمعية فالحق في المقام أن الاستغراق هنا متعلق بأجزاء ذلك الجمع والوحدات المندرجة فيه وليس ذلك مستندا إلى وضع اللام بل الجمع في نفسه مستغرق للآحاد المندرجة تحته سواء أطلق على أعلى مراتبه أو على ما دونه من المراتب إلى الثلاثة إلا أنه مع إطلاقه على ما دون الكل من المراتب لا يندرج في العام لعدم استغراقه بجميع ما يصلح له بخلاف ما إذا أطلق على الدرجة العليا ومدخلية اللام في استفادة العموم منه إذ هو من جهة دلالته على إطلاق الجمع على الدرجة المذكورة نظرا إلى تعيينه من بين المراتب وانصراف التعريف مع الإطلاق إليه وليس اللام بمعنى كل ليفيد عمومه عموم مدخوله وليس مفاده بحسب الوضع سوى الإشارة والتعريف حسبما مر القول فيه وحينئذ فتحقيق المرام أن الجمع في المقام إنما أطلق على مرتبة واحدة من مراتبه أعني المرتبة العليا وليس فيه استغراق لمراتب الجمع أصلا بل ليس مفاده قابلا لأن يلاحظ الاستغراق فيه بحسب الجماعات نعم لو كان موضوعا لجنس الجماعة حتى يكون مفاده مفاد لفظ الجماعة أمكن فيه ذلك لكنك قد عرفت فساده وأنه موضوع لمصداق الجماعة أو أن دلالته على الكثرة والتعدد من قبيل دلالة الحروف ومعناه المستقل هو معناه الأفرادي فالتعريف وغيره من الضمائم إنما يرد عليه دون معناه الحرفي فلا يعقل دلالته على العموم بحسب أفراد الجماعة كما أنه لا يعقل تعريفه لجنس الجماعة حسبما مرت الإشارة إليه وكيف كان فالاستغراق الحاصل في المقام إنما هو من جهة شمول الجمع للوحدات المندرجة فيه ولذا جعلنا العموم فيه من جهة استغراقه لأجزائه كما أشرنا إليه عند تحديد العام فهذا هو الوجه في استغراقه للآحاد دون الجموع وليس ذلك مستندا إلى وضع تركيبي ولا قاضيا بانسلاخه عن الجمعية وليس في شيء من الأدلة المتقدمة الدالة على الاستغراق للآحاد دلالة على خلاف ذلك وأقصى ما يفيد تلك الأدلة كون مفاد اللفظ استغراق الآحاد دون الجماعات وهو حاصل بما ذكرناه فتبين بما بيناه أن الاستناد إلى الوجوه المتقدمة في وضعه للمعنى المذكور ليس في محله لما عرفت من عدم استناد المتبادر إلى نفس اللفظ وأن الوجه فيه ما قررناه وكذا الحال فيما ذكره أئمة الفن من إفادته عموم الأفراد وجواز استثناء الواحد منه على ما مر ثانيها أن الجمع المعرف هل هو حقيقة في خصوص العموم الأفرادي أو يعمه والعموم المجموعي وجهان وقد نص بعض المتأخرين على كونه حقيقة في خصوص العموم الأفرادي مجازا في غيره ونص المحقق الشريف بأن الأول أكثر تداولا من الثاني لكن لم يصرح بكونه حقيقة فيه بخصوصه ولم أر في كلماتهم تنصيصا على كونه حقيقة في خصوص الأول سوى من أشرنا إليه من متأخري المتأخرين ومن يحذو حذوه وظاهر ما حكاه المحقق الشريف عنهم من الحكم أن قول القائل للرجال عندي درهم إقرار بدرهم واحد للكل بخلاف قوله لكل واحد من الرجال عندي درهم فإنه إقرار لكل رجل بدرهم يعطى تكافئ الاحتمالين المذكورين عندهم حيث لم يحكموا باشتغال ذمته بما يزيد على درهم ولو كان المفهوم منه عندهم خصوص العموم الأفرادي لنزلوه منزلة كل كما في المثال الثاني وربما يتراءى انصراف القول بكونه حقيقة في العموم إلى العموم الاستغراقي وهو ضعيف لما عرفت من كونه أعم من الوجهين وما ذكر عنهم في مسألة الأفراد أقوى شاهد عليه وكيف كان فالتحقيق كما عرفت من كون إفادته العموم من الجهة التي ذكرناه لا لوضعه لخصوص العموم حسبما توهمه الجماعة من المتأخرين وذلك أعم من كونه على وجه العموم الأفرادي ليكون الحكم منوطا بكل واحد من الآحاد المندرجة فيه أو مجموعيا يتعلق الحكم بالمجموع فكل من اللام ومدخوله حقيقة على كل من الوجهين فإن ظهر من المقام أو من الحكم المتعلق به أحد الوجهين بني عليه من دون تجوز وإن احتمل الأمران من غير ظهور وترجيح لأحد الوجهين من المقام لزم التوقف في مقام الاجتهاد والرجوع إلى الأصول الفقهية في مقام العمل ومنه ما ذكر من مثال الإقرار لقضاء الأصل ببراءة ذمته من الزائد ودعوى أغلبية الأول بحيث يوجب ظنا بإرادته غير ظاهرة نعم قد يتخيل كون إرادة العموم المجموعي أقرب إلى ظاهر اللفظ حيث أطلق الجمع على الدرجة العليا وأشير باللام إليها فظاهر ذلك تعلق الحكم بمجموع الأفراد فإن ملاحظة كل منها على وجه يستقل في تعلق الحكم به اعتبار زائد يتوقف على قيام الشاهد عليه وإن لم يكن فيه خروج عن موضوع اللفظ لكن يمكن أن يقال إن شيوع استعمال الجموع المعرفة على الوجه الثاني يكافئ ذلك إن لم نقل بزيادته عليه وكيف كان فالظاهر أنه لا شاهد يقوم عليه في المقام على ترجيح أحد الوجهين مع عدم قيام شاهد هناك على التعيين