الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
346
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
حضوريا إما محسوسا كقولك لمن يشتم رجلا بحضرتك لا يشتم الرجل أو غيره كما في قوله تعالى آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ هذا واعلم أن الفرق بين كل من الجنس والاستغراق واضح لا خفاء فيه وقد يفرق بينهما وبين العهد بأن العهد إشارة إلى الحصة بخلاف الآخرين فإن أحدهما إشارة إلى نفس الطبيعة الحاضرة والآخر جميع الأفراد وفيه ما قد عرفت من أن العهد قد يكون إشارة إلى نفس الطبيعة وإلى جميع الأفراد وقد يفرق أيضا بأن العهد يتوقف على علم سابق بخلافهما وفيه أن العهد الحضوري لا يتوقف على علم سابق إذ هو إشارة إلى الحاضر حال التكلم كما أن اللام التي للجنس إشارة إلى الماهية الحاضرة في الذهن بلا فارق بينهما إلا في كون الحضور في أحدهما خارجيا والآخر ذهنيا فالأظهر في بيان الفرق أن يقال إن العهدية يتوقف على أمر خارج عن مدلول اللفظ به يتحصل العهد في تقدم ذكر أو حضور حال التكلم ونحوهما بخلاف الجنس والاستغراق إذ لا حاجة فيهما إلى ذلك فإن الأول إشارة إلى الطبيعة الحاضرة عند سماع مدخوله فيكون اللام إشارة إليه من غير حاجة إلى ملاحظة أمر آخر غير مدخولة ونظيره القول في الاستغراق نعم قد يكون فهمه في بعض المقامات متوقفا على قيام دليل حال عدم إرادة الجنسية كما في المفرد على ما يأتي وليس ذلك مما يحصل به الاستغراق وإنما هو صارف له عن إرادة الجنسية بخلاف العهد فإن قوامه بالمعرفة الخارجية وقد ظهر مما قررناه عدم اندراج العهد الذهني في أفراد العهد إذ الانتقال هناك إلى الفرد ليس بسبب معهوديته وحصول العلم به خارجيا عن تلك العبارة بل من جهة عدم صحته تعلق ذلك الحكم لا بالجنس في ضمن بعض الأفراد خاصة كما في قولك أكلت اللحم وشربت الماء وأكله الذئب ومررت على اللئيم ونحو ذلك فإن الأمور المذكورة مما لا ربط لها بالطبيعة من حيث هي وإنما يتعلق بها في ضمن الأفراد ولا يراد في ضمن جميع الأفراد إما لعدم قابليتها لذلك كما هو ظاهر من كثير من أمثلته أو لدلالته المقام عليه والحاصل أن الانتقال إلى الفرد إنما يكون من الجنس بتوسط القرينة القائمة في المقام فاللام إشارة إلى الجنس ويكون الفعل المتعلق به دالا على كون ذلك الجنس في ضمن بعض الأفراد كما لا يخفى بعد التأمل في موارد استعماله وتوضيح المقام أن المعرف بلام الجنس قد يكون متعلقا بالفعل أو الترك وعلى التقديرين إما أن يتعلق متعلقا للتكليف أو الإخبار وعلى الأول يكون المراد هو الطبيعة في ضمن بعض الأفراد وعلى الثالث يراد في ضمن الجميع لتوقف الترك عليه وكذا على الرابع في وجه قوي فكما يعد بعض ذلك من لام الجنس قطعا فليعد الباقي أيضا من ذلك لاتحاد المناط في الجميع وبالجملة إنا لا نعقل فرقا في المستعمل فيه في قولك أهن اللئيم ومررت على اللئيم ولا تكرم اللئيم وما رأيت اللئيم فإنه قد جعل المتعلق للحكم في كل منهما هو جنس اللئيم ولا يتعلق ذلك الحكم المذكور إلا بالفرد غير أنه في الثاني في ضمن أحد الأفراد وهذا القدر لازم في ضمن الأول ولا يكون الثالث إلا بتركه في ضمن الجميع ولا الرابع إلا مع انتفائه في الكل وهذه كلها خارجة عن مدلول نفس اللفظ وإنما يأتي بملاحظة المقام فلا وجه لجعل بعضها لتعريف الجنس وبعضها لإرادة الفرد فردا ما بل المستعمل فيه في الجميع واحد فليس المعرف باللام في المقام مستعملا في خصوص فرد ما كما قد توهم ومما قد يشير إلى ذلك ملاحظة ما ذكرناه من أمثلة الوجه الثاني من وجهي الجنس لوضوح أن اللام هناك ليس لتعريف شيء من الأفراد وقد نصوا على كونه لتعريف الجنس مع تعلق الحكم المتعلق به إلا بالطبيعة في ضمن الفرد فكذا في المقام وتفصيل الكلام في المرام أن المعرف باللام في نحو مررت على اللئيم يحتمل وجوها أحدها أن يراد الطبيعة المطلقة الحاضرة في الذهن من غير أن يراد به خصوص الفرد أو يطلق عليه وإنما يفهم حصول تلك الطبيعة في ضمن الفرد من نسبة المرور إليه فيكون الخصوصية مفهومة من الخارج من غير أن يكون اللفظ فيه مدخلية ثانيها أن يراد بها الطبيعة مع الخصوصية الحاصلة في ذلك الفرد بأن يستعمل في مجموع الأمرين فيكون مستعملا في خصوص الفرد الذي وقع المرور عليه ثالثها أن يراد به الطبيعة مع خصوصية ما ليكون مستعملا في فرد ما من الطبيعة كما هو المفهوم للمخاطب عند سماع الكلام إذ لا يتعين عنده شيء من الأفراد رابعها أن يراد به الفرد ويطلق عليه لا من حيث خصوصيته بل من حيث مطابقيته لتلك الحقيقة فيكون ما استعمل فيه اللفظ حينئذ هو تلك الطبيعة المطلقة إلا أنه أطلق على الفرد مع إرادة تلك الطبيعة منه والحال في الوجه الأول ظاهر لكونه مستعملا فيما وضع له قطعا فهو حقيقة بلا إشكال وبيان الحال في الوجوه الأخر يتوقف على تفصيل القول في إطلاق الكلي على الفرد وبيان الحال فيه فنقول إن إطلاق الكل على فرده يتصور على وجهين أحدهما أن يستعمل في الطبيعة والخصوصية بأن يراد منه خصوص الفرد وللشك إذن في كونه مجازا لاعتبار غير الموضوع له معه فيما استعمل اللفظ فيه فيكون مفاد ذلك اللفظ مخصوصا بما استعمل فيه من الفرد من غير أن يصدق على غير ضرورة عدم صدق تلك الخصوصية المأخوذة فيه على غيره فينحصر مدلول ذلك اللفظ فيه ومن ذلك أيضا أن يستعمل في الطبيعة وخصوصية ما في الجملة وذلك بأن يراد منه فرد ما لاعتبار غير الموضوع له فيكون مجازا أيضا ثانيهما أن يستعمل في الطبيعة المطلقة ويطلق على الفرد من جهة انطباقه على الطبيعة فالطبيعة المطلقة وصدقها عليه لا من جهة خصوصيته وتشخصه وإن شئت قلت إنه يستعمل في الفرد من جهة انطباقه على الطبيعة فالطبيعة المطلقة مرادة منه قطعا غير ما أطلق عليه الفرد من جهة كونه مصداقا له متحدا معه فقد أطلق اللفظ مع إرادة الطبيعة منه على الفرد لاتحاده معه ألا ترى أن هذا الرجل عالم يفيد ثبوت مفهوم الرجولية لذلك الفرد فهو بمنزلة حمل ذلك المفهوم حملا متعارفا وإن كان هناك فرق بينهما يأتي الإشارة إليه وهو بخلاف ما إذا استعمل في خصوص الفرد فإنه لا يراد منه إذن معناه الكلي بل المستعمل فيه هو خصوص الفرد فيكون حمله على ذلك الفرد حملا ذاتيا لاتحاد الموضوع والمحمول فيه بالذات ولذا كان اللفظ هناك مجازا وهاهنا حقيقة لاستعمال الفرد فيما وضع له من غير ضم شيء إليه فإن قلت لا شك في كون الفرد مغايرا للطبيعة من جهة اشتماله على الخصوصية فإن أريد من اللفظ الطبيعة المطلقة فلا إشارة فيه إذن إلى الفرد ولم يطلق عليه وإن أطلق على الفرد كان المستعمل فيه مغايرا للموضوع له حسب ما ذكر فكيف يدعى استعماله فيه مع فرض إطلاقه على الفرد وبالجملة أي فرق