الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
347
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بين الإطلاق على الفرد والاستعمال فيه مع أن الإطلاق على الفرد والمعنى هو استعماله فيه وحينئذ فبعد فرض استعماله في الطبيعة المطلقة كيف يقال بإطلاقه على خصوص الفرد وهل هو إلا من قبيل استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي قلت لما كان الفرد متحدا مع الطبيعة في الخارج وكانت النسبة بين الطبيعة والتشخص نسبة إيجادية بحسب الخارج كان هناك اعتباران أحدهما ملاحظة الفرد من حيث كونه هي الطبيعة والآخر من حيث اشتماله على التشخص فإن أطلق عليه اللفظ بملاحظة الجهتين معا كان مستعملا في خصوص الفرد وكان مجازا حسبما قدمناه وإن استعمل فيه من جهة كونه هي الطبيعة نظرا إلى اتحادها معه كان حقيقة ولم يكن اللفظ مستعملا إلا في الطبيعة غاية الأمر أن تلك الطبيعة مقيدة في الواقع بالتشخص لا يقال على هذا يكون المستعمل فيه هو الطبيعة المقيدة مع خروج القيد عن المستعمل فيه فيكون التقييد معتبرا فيه وهو معنى الحصة وكما أن استعمال الكلي في الفرد ليس استعمالا فيما وضع له كذلك الحال في الحصة لدخول التقييد فيها وإن كان القيد خارجا لأنا نقول إنه ليس المستعمل فيه في المقام هو الحصة من الطبيعة بل ليس مستعملا إلا في مطلق الطبيعة الحاصلة هناك إذ من البين أن الطبيعة لا بشرط حاصل في الطبيعة مع شرط شيء فالتقييد والقيد خارجان عن المستعمل فيه وإن كانا من لوازم ما أطلق عليه مخصوصية الحصة والفردية غير ملحوظة فيما استعمل اللفظ فيه وإنما هما من لوازم إطلاقه على الفرد ومن الظاهر أيضا أن دلالة اللفظ على الطبيعة اللا بشرط أعني ما استعمل فيه في المقام غير مفتقر إلى ملاحظة قرينة تقييده إذ المفروض وضعه بإزائها فلا حاجة في استعماله فيها إلى القرينة وأما في إطلاقه على الفرد أعني كون المستعمل فيه هو تلك الطبيعة المقيدة بحسب الواقع وإن كان القيد والتقييد خارجين عنه فيفتقر إلى ضم قرينة إليه حتى يعلم ذلك كأن يقول هذا الرجل وهذا الفرس وهذا البساط فإن كون الرجل والفرس والبساط بدلا أو عطفت بيان لهذا دال على إطلاقه على ذلك وحينئذ يقال إطلاق الكلي على فرده وكون المستعمل فيه هو الطبيعة الحاصلة في ضمنه فصح القول بإطلاقه الكلي حينئذ على فرده واستعماله في الطبيعة المطلقة وإن شئت قلت باستعماله في الفرد وفي الطبيعة لاتحادهما من الجهة المذكورة إلا أن ذكر الإطلاق على الفرد كأنه أوضح في المقام من ذكر الاستعمال فيه لظهور الأخير في اعتبار الخصوصية وكيف كان فظهر أنه ليس إطلاقه على الفرد واستعماله في الطبيعة إطلاقا له على معنيين كما توهم في الإيراد ومما يوضح ما قررناه ملاحظة قولك هذا رجل وهذا الرجل فإنه لا تجوز في شيء منهما قطعا ومن الواضح أنه قد استعمل الرجل في الطبيعة المطلقة في المثالين من غير إطلاقه على الفرد في المثال الأول وإنما حمل عليه ليفيد اتحادهما في الوجود وفي المثال الثاني قد أطلق على الفرد ولذا كان قولك هذا رجل مشيرا به إلى البساط كذبا لا غلطا بخلاف قولك هذا الرجل مشيرا به إليه فإنه غلط وليس ذلك إلا لإطلاقه ذلك على الفرد مع عدم اتحاده مع مفهوم الرجل وعدم مناسبته له وقد ظهر بما قلناه أن حمل الكلي على الفرد غير إطلاقه عليه غير أن إطلاقه على الفرد يستلزم حمله عليه كما لا يخفى إذا تقرر ما ذكرناه فقد اتضح الحال في كل من الوجوه الثلاثة الأخيرة فإن كلا من الوجهين الأولين منها مجاز لاعتبار ما يزيد على الطبيعة في كل منهما والثالث حقيقة لاستعماله في مطلق الطبيعة وإنما أطلق على الفرد حسب ما عرفت بقي الكلام في تعيين المراد بالمعهود الذهني من الوجوه المذكورة فنقول إن الذي يقتضيه الأصل في ذلك هو الوجه الأول لوضع مدخول اللام للطبيعة المطلوبة وكون اللام للتعريف فيكون تعريف تلك الطبيعة ولا يدل الحكم للمرور [ للمدخول ] عليه إلا على كون الطبيعة في ضمن الفرد وهو لا ينافي إرادة الطبيعة اللا بشرط من اللفظ ضرورة أن الماهية لا بشرط شيء يجامع ألف شرط وقد ذكروا مثل ذلك في الماهيات المطلقة المتعلقة للأحكام الشرعية إلا أن هذا الوجه بعيد عن ظاهر كلماتهم إذ لا ربط له إذن بالإشارة إلى المفرد ولا لمعهوديته في الذهن إلا أن يجعل ذلك بسبب ما يعلم من دلالة القرينة على كون ذلك في ضمن الفرد وهو مخالف لظاهر كلامهم فالوجه الرابع أقرب إلى ظاهر كلماتهم بل هو ظاهر كلام التفتازاني في المطول والظاهر أن اللام حينئذ إشارة أيضا إلى الطبيعة فبأن تلك الطبيعة حاصلة في ضمن الفرد لإطلاق اللفظ عليه فكأنها إشارة إليه بالتبع من جهة اتحاده بالطبيعة ولما كان أحد أفراد الطبيعة من الأمور المعهودة في الأذهان وكان اللام إشارة إليه تبعا حسب ما ذكرنا عد ذلك من لام العهد وأنت خبير بأن ذلك ليس من حقيقة العهد في شيء إذ لا معهود هناك حقيقة ولا يراد باللام الإشارة إليه فليس هنا تعريف للفرد على حسب غيره من العهود فكان في جعله من العهد نوع توسع نظرا إلى الاعتبار المذكور أو أنه اصطلاح منهم والوجهان الآخران مما يبعد إرادتهما في المقام لبعدهما عن ظاهر اللفظ نظرا إلى اقتضاء استعمال الكلي في خصوص الفرد انحصار مدلول اللفظ فيه وهو خلاف الظاهر في المقام مضافا إلى لزوم التجوز في اللفظ المخالف للأصل مع عدم قيام دليل عليه وقد اتضح بما قررنا أن المعهود الذهني معرفة بالنظر إلى ما استعمل فيه أعني الماهية المطلقة لحضورها في الذهن والإشارة إليها في اللام كما في غيرها من الأجناس المعرفة وفي معنى النكرة بالنسبة إلى الفرد الذي أطلق عليه إذ لا تعيين فيه إلا من جهة اتحاده مع الطبيعة وذلك مما لا يعين الفرد إذ معرفة الشيء بالوجه العام ليس معرفة بذلك الخاص في الحقيقة بل معرفة للعام الذي صار وجها لمعرفته فليس اللام في الحقيقة إشارة إلى خصوص الفرد ولا تعريفا له ولذا نصوا على كونه في معنى النكرة يعنون به بالنسبة إلى خصوص الفرد لا بالنظر إلى الطبيعة التي استعمل فيها ولبعض الأعلام كلام في المقام أحببت إيراده مع تلخيص وتوضيح لما فيه وفيما يرد عليه من تتميم الكلام في المرام قال إن ما اشتهر بينهم من أن المفرد المحلى بلام الجنس إذا استعمل فإرادة فرد ما ويقال له المعهود الذهني فهو حقيقة غير واضح لأن معيار كلامهم فيما ذكروه أنه من باب إطلاق الكلي على الفرد وهو حقيقة فأورد على ذلك أمورا منها أن المعرف بلام الجنس معناه الماهية المتعينة في الذهن المعراة عن ملاحظة الأفراد عموما وخصوصا وإطلاقه وإرادة الماهية باعتبار الوجود خلاف معناه الحقيقي فإن قلت إن الماهية المعراة عن ملاحظة الأفراد لا يستلزم ملاحظة عدمهما قلت نعم لكنه في اعتبار وجود الأفراد وإن لم يناف تحققها في ضمن الأفراد الموجودة