الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

342

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

يصح الحكم بالعموم في تلك الموارد بحسب الإطلاقات العرفية على سبيل الحقيقة من غير ريبة ولا يبعد القول بشموله للمعنى الثاني لشمول تلك المعاني لجزئياتها فالملحوظ في تلك المفاهيم والكليات عند أهل المعقول نحو من الشمول اللغوي إلا أنه على حسب ما اعتبروا من شمول المفهوم لجزئياته يعم المعاني وهو لا يصدق على شمول اللفظ للمعنى قطعا وقد يورد في المقام بأن شمول المطر للأماكن وشمول الخصب للبلاد وشمول الموت للأشخاص ونحوها ليس من حقيقة الشمول فإن كل فرد منها يختص شخصا ومحلا فليس ذلك من حقيقة الشمول فيكون الإطلاق مجازا وهو الواضح الفساد إذ ليس المقصود شمول الخصوصيات والأفراد بل المدعى شمول الكلي والقدر الجامع بينهما للجمع وهو حاصل قطعا وحينئذ فهذا المعنى غير حاصل بالنسبة إلى الألفاظ إذ لا حصول للألفاظ بالنسبة إلى معانيها نعم يتم ذلك بالنسبة إلى ملاحظة دلالتها عليها لشمول الدلالة حصولا بالنسبة إلى الكل وإن كان الكلام في العموم الاصطلاحي أعني استغراق اللفظ في دلالته على حسب ما مر فمن الواضح أنه يخص الألفاظ ولا يثبت للمعاني فإن استغراق دلالة اللفظ على جزئيات مدلوله أو أجزائه كما هو المصطلح لا يعقل انفكاكه من اللفظ ولا يمكن إثباته للمعاني قطعا وكون الاستغراق في الحقيقة وضعا للدلالة وهي غير اللفظ لا يقضي بكون استغراق دلالة اللفظ وضعا لغير اللفظ وهو ظاهر فليس هناك معنى يصح وقوع النزاع فيه فيمكن أن يعود النزاع فيه هنا لفظيا كما نبه عليه بعض الأعلام قائلا به إن أريد بالعموم استغراق اللفظ لمسمياته على ما هو مصطلح أهل الأصول فهو من عوارض الألفاظ خاصة وإن أريد شمول أمر لمتعدد عم الألفاظ والمعاني وإن أريد شمول مفهوم لأفراد كما هو مصطلح أهل الاستدلال اختص بالمعاني وقد يقال إن شمول اللفظ لمسميات معناه نحو من الشمول اللغوي فالنسبة بينه وبين اللغوي من قبيل العموم والخصوص وحينئذ تقرير النزاع في أن الشمول على ما هو مفاد العموم لغة هل يختص بمعناه الاصطلاحي فيكون من عوارض الألفاظ خاصة أو أنه يعم غيره أيضا وحينئذ يبنى الخلاف على أن المعاني الذهنية هل هي أمور موجودة في الأذهان أو لا فعلى الأول يتصف بالعموم قطعا وعلى الثاني لا يعقل العموم في غير الألفاظ على الوجه المذكور إذ لا يتصور عموم الشيء الخارجي لأشياء متعددة ألا ترى أن المطر والخصب لا عموم في الوجود منهما في الخارج إذ الموجود منهما في كل مكان غير الموجود في الآخر فالعموم إنما يتصور للكلي الجامع بينهما وهو مفهوم ذهني لا وجود لها عند الجماعة قال العضدي إن الإطلاق اللغوي أمره سهل إنما النزاع في واحد متعلق بمتعدد وذلك لا يتصور في الأعيان الخارجية إنما يتصور في المعاني الذهنية والأصوليون ينكرون وجودها فكأنه أراد بذلك أن العموم والشمول بمعناه اللغوي مما لا يتصف به شيء من المعاني على سبيل الحقيقة إذ المراد بها الأعيان الخارجية فهي لا يعقل اتصافها بشمول وإن أريد بها المعاني الذهنية فهي غير موجودة عندهم فكيف يتصف بالشمول فيكون النزاع حينئذ في أمر عقلي لا لفظي والظاهر أنه لا يساعده ظاهر أدلتهم المذكورة على أن ما ذكره من امتناع شمول الواحد للمتعدد في الأعيان الخارجية غير متجه لإمكان شمول المكان لمتمكنات عديدة وكذا شمول الظرف لمظروفات شتى وشمول الجناء لأشخاص كثيرين وهكذا وليس ذلك خارجا عن معناه الحقيقي له قوله أن في لغة العرب صيغة تخصه إلى آخره قد يقال إن الظاهر أن المراد بالعموم هذا هو العموم المصطلح أعني استغراق اللفظ بجميع ما يصلح له وحينئذ فالقول بأن هنا صيغة تدل على ذلك غير ظاهر فإن ما يفيده اللفظ هو عموم المعنى لا عموم اللفظ وحمل العموم في المقام على إرادة شمول المعنى بعيد إذ مع خروجه عن ظاهر الاصطلاح لا يقول الأكثر ما يضاف المعاني به إلا على سبيل المجاز كما عرفت وأيضا فالظاهر كون الخلاف في وضع اللفظ بإزاء العموم حسبما يوجه ملاحظة أدلتهم وليست الألفاظ المذكورة موضوعة بإزاء العموم وإنما العموم كيفية ملحوظة في معانيها قلت لا مانع من أن يراد العموم في المقام هو معناه المصطلح فإن المراد أنه هل لعموم المعنى المذكور صيغة يدل عليه بأن يكون ذلك اللفظ دالا على استغراقه لما يصلح له فلا منافاة في التعبير المذكور لما هو المقصود فإنه إذا دل اللفظ على الاستغراق لما يصح له فلا منافاة في التعبير المذكور لما هو المقصود فإنه إذا دل اللفظ على الاستغراق لما يصح له صح أن يقال باستغراق ذلك اللفظ لما يصلح له وأن ذلك الاستغراق مدلوله بحسب الوضع وإن لم يكن الاستغراق المذكور عين الموضوع له فليس المراد بكون الصيغة مختصة بالعموم أن يكون العموم تمام معناه الموضوع له بل المراد به أن لا يكون مشتركا بينه وبين غيره ولا مختصا بالغير ثم لا يخفى أن التعبير المذكور يعم ما لو كان اللفظ المفروض موضوعا للعموم أو يكون العموم من لوازم معناه كما هو الحال في النكرة في سياق النفي على ما هو المختار فإن الاختصاص قابل على الوجهين إلا أن الظاهر أن مقصوده بذلك هو الوضع له بخصوصه حسبما يستفاد من ملاحظة أدلتهم ثم اعلم أن الألفاظ الدالة على العموم قد يكون هي بنفسها غاية فيكون دالة على معانيها على سبيل العموم والشمول وقد يكون اللفظ دالا على العموم لكن ذلك العموم لم يكن وضعا لمعنى آخر فيكون العام هو اللفظ الدال على ذلك المعنى ويكون إرادة العموم من اللفظ الأول باعثا على عموم ذلك اللفظ كما في لفظ كل ونظائره فإن العام إنما هو مدخوله وهو إرادة العمومية وحينئذ فالموضوع للعموم إنما هو الإرادة المذكورة دون اللفظ الآخر في محل الخلاف في المقام هو ما يعم الوجهين ولذا عدوا لفظة كل ونظائره من ألفاظ العموم [ أصل في إفادة المفرد والجمع المعرفين بالأداة للعموم ] قوله الجمع المعرف بالأداة لا خلاف بينهم على ما نص عليه غير واحد منهم في إفادة الجمع المحلى باللام للعموم حيث لا عهد ويشهد لذلك بعد اتفاقهم عليه ملاحظة العرف والإطلاقات فالمسألة ظاهرة إلا أن هناك تأملا في أمور أحدها أن دلالته على العموم هل هي من جهة وضعه له بخصوصه أو أنه يفيده من جهة أخرى وعلى الأول فالموضوع للعموم هل هو المجموع المركب أو أن اللام هي الموضوعة لإفادته فتكون أداة للعموم ثانيها أن تقييدهم إفادته العموم بما إذا لم يكن عهد هل هو من جهة اشتراط الواضع ذلك في وضعه للعموم فيكون له وضعان في حالتين أو من جهة كونه قرينة صارفة عن العموم فاعتبروا عدمه وعلى كل من التقديرين فلا يخلو الكلام عن الإشكال إذ الأول كأنه عديم النظير في الأوضاع اللغوية وعلى الثاني أي وجه لتخصيص القرينة المذكورة بين القرائن الصارفة ثالثها أن المراد بانتفاء العهد أن لا يكون هناك عهد معلوم أو ما يعمه والمظنون أو ما يعمها والمحتمل وسنبين لك حقيقة الحال في ذلك كله إن شاء الله واختلفوا في إفادة المفرد المحلى باللام لذلك فعن المحقق والشهيد الثاني عدم دلالته