الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

343

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

على العموم وهو المحكي عن أبي الهاشم وجماعة من المحققين وعزي إلى أكثر البيانيين والأصوليين وعن الشيخ في العدة وشيخنا البهائي عدم دلالته على العموم وحكي ذلك عن المبرد والشافعي وأبي علي الجبائي والحاجبي والبيضاوي وعزاه في التمهيد إلى جماعة من الأصوليين وجعله المعروف من مذهب البيانيين وحكاه الآمدي عن الأكثرين ونقله الرازي عن الفقهاء والحق أنه عند التجرد عن القرائن لا يفيد العموم وإن لم يكن إرادة الاستغراق منه خروجا عن مقتضى وضعه واستعمالا له في غير ما وضع له وتحقيق الكلام في المرام يحصل برسم مقامات الأول في بيان الجنس واسم الجنس أفراديّا وجمعيا وعلم الجنس والمعرف بلام الجنس وغيرها والنكرة والجمع واسم الجمع فنقول أما الجنس فهو اسم للماهية الكلية المأخوذة لا بشرط شيء من القيودات الزائدة عليها والمراد بالماهية المأخوذة في الحد هو الكلي الذي دل عليه جوهر الكلمة مع قطع النظر عن لواحقه فمفهوم الواحد جنس وإن كانت الوحدة ملحوظة فيه إذ ليست قيدا زائدا عليه وإنما لوحظ المجموع باعتبار واحد وفي المثنى والمجموع لحاظات فبملاحظة المفرد فيهما مع اعتبار التثنية والجمعية معه لا يعد أن من الجنس وبملاحظة التثنية والجمع بأنفسهما يمكن عدهما من الجنس إذ جنس التثنية والجمع أيضا من الأجناس وقد ظهر بما ذكرنا أن أسماء الإشارة ليست من أسماء الأجناس بناء على ما هو التحقيق من وضعهما لخصوصيات الجزئيات وكذا الحال في الجمع بالنسبة إلى معنى الجمعية لو قلنا بأن لفظ الجمع موضوع لكل واحد من مراتب الجمع بالوضع العام ليكون وضعه عاما والموضوع له خاصا ولا ينافي ذلك ملاحظة الجنسية فيه إلى كل واحد من المراتب فلا يتأتى ما قدمناه فتأمل قال بعض الأفاضل لا اختصاص للجنسية فيه بالمفردات بل قد يحصل للجمع لا بمعنى أن المراد بالجمع هو الجنس الموجود في ضمن جماعة بل بمعنى أن الجماعة أيضا مفهوم كلي فيقال إن لفظة رجال مع قطع النظر عن اللام والتنوين موضوعة لما فوق الاثنين وهو يشمل الثلاثة والأربعة وجميع رجال العالم انتهى ملخصا أقول ما ذكره من وضع الجمع للمعنى الشامل لمراتبه ليكون الموضوع له فيه أيضا عاما محل تأمل والظاهر أن صيغ المجموع موضوعة لنفس الآحاد ما فوق الاثنين من مصاديق الجماعة لا أن نفس مفهوم الجماعة ما وضعت لهما فإذا دخلت عليها لام الجنس كانت اللام فيها إشارة إلى مطلق الجنس الحاصل في ضمن الأفراد فتارة لا يلاحظ وجوده في ضمن المتعدد بل يكون الملحوظ مجرد الماهية فيكون مفاده كالمفرد المعرف به كما تقول فلان يركب الخيل أو لا أتزوج النساء فإنه ليس المراد ركوبه لما زاد على الدابتين أو عدم تزويج ما زاد على الاثنين منهن ولا مجاز في لفظ الجمع كما توهم على ما سنبينه إن شاء الله تعالى وتارة يلحظ الجنس من حيث وجوده فيما زاد على الاثنين وإرادة جنس الجماعة المفهوم من الجمع وإن أمكن إلا أنه كان بعيدا عن اللفظ فظهر بذلك ما في كلامه زيد في إكرامه فلا تغفل واسم الجنس عبارة عن اللفظ الموضوع لتلك الماهية المطلقة من دون ملاحظة الأفراد والتعدد على ما هو ظاهر إطلاقاتهم فليس المثنى والمجموع من اسم الجنس وإن أشير بهما إلى الجنس كما في لا أتزوج الثيّبات فيما أشرنا إليه وقد صرح بوضع أسماء الأجناس للماهية المطلقة غير واحد من محققي أهل العربية كنجم الأئمة والأزهري وهو ظاهر التفتازاني في مطوله وذهب بعضهم إلى وضعه للفرد المنتشر كالنكرة والأول هو الأظهر لتبادر نفس الجنس عند سماعه مجردا عن اللواحق الطارية ولأنه المفهوم عنه عند دخول اللام عليه أو لا التي لنفي الجنس ولو كان موضوعا للفرد المنتشر لكان مجازا أو موضوعا هناك بالوضع الجديد وكلاهما في غاية البعد إذ لا وجه لالتزام التجوز في مثله مع كثرته وعدم خروجه عن الظاهر كما يظهر بالتأمل في الإطلاقات والقول باختصاص وضعه بتلك الحال كأنه خروج عن ظاهر الطريقة في الأوضاع ولا يرد ذلك في النكرة نظرا إلى كونها حقيقة في الفرد المنتشر إذ يمكن أن يقال بكون نفس اللفظ دالا على الجنس والتنوين على الخصوصية فوضعه للجنس المطلوب لا ينافي إطلاقه على الفرد مع دلالة شيء آخر على إرادة الخصوصية بخلاف ما لو قيل بوضعه للفرد إذ لا يمكن إرادة الجنس منه إذن على الحقيقة فظهر بما بينا أن النكرة دالة على الفرد المنتشر لا بوضع واحد بل بوضعين فإن نفس اللفظ تدل على الجنس المطلق والتنوين اللاحق له على كون ذلك الجنس في ضمن فرد فيدل مجموع الاسم والتنوين على الفرد المنتشر وهذا هو المراد بكون النكرة حقيقة في الفرد المنتشر لا بمعنى أنها موضوعة للفرد المنتشر بوضع مخصوص فلا تغفل ومن هنا يظهر مؤيد آخر لما ذكرناه من وضع أسماء الأجناس للماهيات المطلقة فإنها قابلة باعتبار ما يدل عليه الطواري الطارية على اللفظ من اللام والتنوين وعلامتي التثنية والجمع من الخصوصيات فإذا دل مجرد اللفظ على المعنى المطلق صح تقييده بتلك القيودات بخلاف ما لو قلنا بوضعها للفرد والمعرف بلام الجنس هو ما دخل عليه لام الجنس وهي التي أشار بها إلى الجنس فيفيد تعريف الجنس والإشارة إليه فنفس اللفظ وإن دل على الجنس إلا أنه لا يفيد تعريفه والإشارة إليه من حيث إنه معين بل إنما يدل عليه مطلقا وإنما يستفاد التعيين من اللام الداخلة عليه فما ذكره نجم الأئمة من أن هذه الفائدة مما يقوم بها نفس الاسم المجرد عن اللام فالحق أن تعريف اللام في مثله لفظي ليس على ما ينبغي وسيظهر لك حقيقة الحال وعلم الجنس ما وضع للجنس بملاحظة حضوره وتعينه في الذهن فمدلوله كمدلول المعرف بلام الجنس ولذا كانا من المعارف ومجرد اسم الجنس وإن دل على الماهية كما مر إلا أن مدلوله لم يتقيد بشرط الحضور فإن قلت إن اللفظ إشارة إلى معناه فلا يكون مدلوله إلا حاضرا في الذهن فما الفارق بين الأمرين قلت فرق ظاهر بين حصول الصفة للشيء واعتباره معه فالماهية إذا أخذت مطلقة كانت منكرة لعدم ملاحظة التعيين معها فلفظ أسد يدل على الماهية المعروفة من غير تقييدها بالحضور في الذهن وإن لزمه الحضور عند دلالة اللفظ عليها فهو دال على الماهية المطلقة والحضور في الذهن من لوازم الدلالة ولفظة أسامة موضوعة للماهية الحاضرة في الذهن فالحضور والتشخص الذهني مأخوذ في وضعها وبتقرير أوضح قد يوضع اللفظ للماهية الخارجية سواء حصل عند العقل أو لا لكن دلالة اللفظ عليها يستلزم حصولها فيه حال الدلالة فليس خصوص المقيدة بالحصول هو الموضوع له وقد يوضع للماهية المقيدة بالحصول في الذهن فالحصول بالفعل فيه قيد للوضع مأخوذ فيه وليس ما عداه من موضوع اللفظ فالأول هو حال الوضع في اسم الجنس والثاني هو الحال في علم الجنس والمعرف بلام الجنس والعهد الذهني فظهر بذلك في كلام نجم الأئمة