الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

336

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الحاصلة إذ لا يمكن وجود المطلق على إطلاقه بل إذا وجد لزم الخصوصية ويدفعه أن ذلك لو تم لزم حرمة الطبيعة الباعثة على وجود المحرم فإن تحريم اللازم يستدعي تحريم الملزوم فيعود المحذور فإن قلت إنا لا نقول حينئذ بكون اتحاد الطبيعة مستلزما لاتحاد تلك الخصوصية بل نقول إن الطبيعة والخصوصية متلازمتان في الوجود قلت إن المتلازمين إما أن يكونا علة ومعلولا أو معلولي علة واحدة وعلى الأول فالأمر كما قلنا وعلى الثاني يكون وجوب الطبيعة مستلزما لوجوب علتها وحرمة المعلول الآخر مستلزما لحرمة علته فيلزم المحذور المذكور بالنسبة إلى تلك العلة فإن قلت إنا نقول حينئذ بوجوب الطبيعة دون علتها المحرمة وإنما الواجب الإتيان بغيرها من علتها السابقة فغاية الأمر أن يكون الإتيان بالحرمة مسقطا لما هو الواجب قلت إن حصول الطبيعة بالخصوصية المفروضة غير حصولها بخصوصية أخرى فإن تلك الخصوصيات جهات مكثرة للموضوع فإن كانت الطبيعة مطلوبة على إطلاقها من غير أن يقيد بغير النحو المفروض لزم وجوب الحصة الحاصلة بالخصوصية المفروضة فيلزم أن يكون تلك الخصوصية واجبة أيضا وإن قيل بتقييد الطبيعة المطلوبة بغير تلك الصورة لم يكن الإتيان بها واجبا كما هو المدعى سادسها أنه لا ريب في كون الوجوب والتحريم ضدين لا يجوز قيامهما بشيء واحد وغاية ما يلزم من التقرير المذكور تغاير الطبيعتين بحسب الوجود لكنهما قائمان بمحل واحد إذ المفروض كونهما خلافين لا ضدين فيلزم أيضا قيام الضدين بالمحل المفروض بتوسط الخلافين القائمين به ويدفعه أنه إن كان الخلافان واسطتين في ثبوت الضدين للمحل المفروض كان الحال على ما ذكر وأما إن كانا واسطتين في عروضهما فلا مانع منه كما في قيام الحسن والقبح المتقابلين بالفعلين القائمين بالفاعل قوله وقد اختار المكلف جمعهما إلى آخره الظاهر أنه أراد بجمعهما في الوجود إيجادهما بوجود واحد حسبما ذكر في التقرير الأول فالمراد بقوله وذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما إلى آخره أن الاتحاد في الوجود لا يقضي باتحاد الطبيعتين لوضوح أن الطبيعتين بحالهما طبيعتان ثنتان لا اتحاد بينهما في لحاظ الطبيعة والمفروض أن هذه الجهة من جهة تعلق الأمر والنهي فإنهما إنما يتعلقان بالطبائع من حيث هي وربما يحمل كلامه على التقرير الثاني فيكون المراد بجمعهما في الوجود هو الاقتران بينهما في الوجود مع تعددهما وغيرهما في ذلك وهو بعيد عن العبارة لا يلائمه قوله وذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما إلى آخره قوله أن الظاهر في المثال إلى آخره لا يخفى أن الكلام المذكور إنما يتم لو كان المستدل في مقام إثبات فهم العرف بأن يقال بعد تسليم جواز الاجتماع عقلا إذ فهم العرف حينئذ أيضا يساعد ذلك كما هو الحال في المثال المذكور فيصح الجواب حينئذ بأن فهم العرف إنما يسلم مع قيام الشاهد على كون الطبيعة متعلقة للأمر مطلقا مطلوبة على أي نحو كان وأما مع الإطلاق فلا إذ من الواضح أن الفرق بين العموم والإطلاق إنما هو بحسب دلالة الألفاظ ولا في حكم العقل فلا فرق بين الوجهين أصلا لوضوح أنه مع استحالة الاجتماع عقلا لا يجوز عند العقل تصريح الأمر بإرادة الطبيعة على أي وجه كان فما ذكره في الجواب لا يدفع الاستدلال بل يثبته ويؤكده حيث سلم جواز الاجتماع مع إرادة التعميم وهو كاف في إثبات الجواز العقلي وقد يذب عنه بأن مراده بذلك بيان حصول الفرض بالإتيان بالفرد المفروض حيث إن مقصود المولى حصول الخياطة بأي وجه اتفقت وليس الغرض هناك حصول معنى الطاعة والانقياد كما في العبادات لئلا يحصل بأداء المنهي عنه حسبما نقول به فيكون ذكره مبنيا على الفرق بين أداء المقصود وحصول الامتثال وهذا الوجه مع بعده من ظاهر العبارة لا يلائم آخر كلامه كما سنشير إليه ويمكن دفعه أيضا بأن المقصود المنع من اجتماع الأمر والنهي على الوجه المذكور بالنسبة إلى كلام الحكيم العالم بحقائق الأشياء وإلا فجواز الاجتماع في الجملة مما لا مجال لإنكاره إذ لا يصل جميع الأفهام إلى المعرفة بامتناعه كيف ومن البين أن القائلين بجواز اجتماع الأمر والنهي يجوز منهم صدور التكليف على الوجه المذكور غير أنه لا يترتب على أمرهم إلا الوجوب والتحريم الإنشاءين الحاصلين في نظرهم دون الواقعيين ولو فرض كون الإنشاء الصادر منهم باعثا على الوجوب والتحريم الواقعي ولا يتفرع ذلك واقعا إلا على أحدهما وكيف كان فحصول التكليف على الوجه المذكور قاض بحصول الطاعة والعصيان من الوجهين فالحكم بحصول الإطاعة والعصيان على فرض أمر السيد بالخياطة كيفما اتفقت لا يبعد جواز الجمع بينهما في نظر العقل عند صدور التكليف من الحكيم وما يتراءى من ظاهر كلام بعض الأعلام من عدم الفرق وأنه إذا ثبت ذلك في حق غيره أيضا ثبت الجواز بالنسبة إليه تعالى أيضا إذ المقصود جواز اجتماع الأمر والنهي من غير نظر إلى خصوص المادة ليس على ما ينبغي نعم مع ملاحظة الحكمة والعلم بالحقيقة لا فرق بين المقامين قوله سلمنا لكن المتعلق فيه مختلف إلى آخره قد يورد عليه تارة بأن المراد بالكون في المقام إما نفس الأين والكون في المكان وخصوص الحركة والسكون على حسب إطلاقه المعروف فإن أريد الأول كان ذلك من لوازم الفاعل والفعل وكان خارجا عن حقيقة الفعلين وإن أريد الثاني لم يعقل خروجه عن حقيقة الفعل في شيء من المقامين فإن ذلك عمدة أجزائهما وأركانهما سيما بالنسبة إلى الخياطة سوى الحركات الخاصة الصادرة من الخياط فكيف يقال باختلاف المتعلق هنا دون الصلاة وتارة بعد تسليم خروج الحركات المذكورة عن مفهوم الخياطة فلا شك في كونها من مقدماتها العقلية وعللها الإعدادية فتكون واجبة من باب المقدمة فيجتمع الحرمة النفسية مع الوجوب الغيري وهو كاف في المقام لما عرفت من عدم الفرق وأخرى بأن ذلك كله بعد تسليمه إنما يكون من مناقشة في المثال فيندفع بإيراد مثال آخر وهو أن يأمر السيد عبده بمشي خمسين خطوة في كل يوم وينهاه عن الدخول في الحرم فيمشي الخطوات المأمور بها في الحرم فإنه أيضا يعد مطيعا عاصيا على نحو ما ذكر في مثال الخياطة من غير فرق ويمكن دفع الجميع أما الأول فبعد اختياره أن المراد بالكون هو الحركة والسكون بأن مقصود المولى من الأمر بالخياطة هو الخياطة الحاصلة بالمصدر لا نفس الحركات المعينة ولو فرض تعلق الأمر صورة بنفس الحركات فليست مقصودة إلا من باب المقدمة وليس المأمور به على الحقيقة إلا تحصيل الخياطة بالمعنى الأول كما هو ظاهر من ملاحظة المقام ومن البين أن الحركات المخصوصة ليست داخلة في حقيقتها بخلاف الصلاة وأما الثاني فبالمنع من اجتماع الأمر والنهي هنا في المقدمة بل ليست المقدمة في المقام إلا محرمة غاية الأمر أنه يحصل به التوصل إلى الواجب فيسقط به ما هو