الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
337
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الواجب من مقدمته المحللة كما هو الحال في ركوب الدابة المغصوبة إلى الحج فتأمل وأما الثالث فيجري الكلام المذكور بعينه بالنسبة إلى المثال المفروض أيضا فإن الدخول والكون المطلق من مقدمات المشي لا نفسه لوضوح كون الحركة في المكان مغايرة للكون فيه وإنما المثال الموافق للمقام أن يفرض أمر السيد بمشي خمسين خطوة ونهيه عن المشي في دار مخصوصة فاتفق مشي خمسين خطوة هناك وكذا لو أمره بخياطة الثوب المعلوم ونهاه عن الخياطة في بيت معلوم فأتى بخياطة الثوب المعين في ذلك المكان ومن البين أنه لا يعد مطيعا بأداء المأمور به على الوجه المذكور ولا أقل من منع ما ادعوه من الحكم بحصول الإطاعة لو لم نقل بثبوت خلافه قوله سلمنا لكن نمنع إلى آخره قد يقال بأنا نقطع بأن العبد إنما يستحق العقوبة لمخالفة النهي لا لمخالفة الأمر إذ مع إتيانه بالخياطة لا وجه لعقوبته على تركها ولو عاقبه المولى على ذلك لذمه العقلاء وعد مستحقا فهو شاهد على حصول الإطاعة من الجهة المذكورة ولذا يصح أن يقول العبد إن عصيتك بالكون في المكان المخصوص فقد أديت مقصودك من الخياطة وفيه أن عدم استحقاق العبد للعقوبة على ترك المأمور به لا يفيد أداءه للمأمور به حتى يصح عده مطيعا من تلك الجهة بل قد يكون ذلك من جهة إسقاط المأمور به بأداء غيره وذلك لا يقضي بمخالفة الأمر كما هو ظاهر ومرت الإشارة إليه في المباحث المتقدمة والحاصل أن إسقاط المأمور قد يكون بعصيانه وقد يكون بأداء ما يكون باعثا على الأمر به أو عدم متعلقه وسقوط الأمر على الوجه الثاني لا يقضي بحصول العصيان كما هو ظاهر من ملاحظة إنقاذ الغريق على الوجه المحرم فإن ذلك ليس مما أمر الشارع به لكنه مسقط للتكليف بالإنقاذ فلا امتثال حينئذ ولا عصيان نعم لو تعلق غرض الآمر بخياطة الثوب في غير المكان المفروض تفرع عليه العصيان من تلك الجهة أيضا إلا أنه مخالف لظاهر الإطلاق وإن قلنا بتقييد جانب الأمر بالنهي فإن ذلك التقييد إنما يجيء من جهة النهي المفروض والجمع بينه وبين الأمر لا لتعلق غرض بخصوص الخياطة الحاصلة في غير ذلك المكان قوله حيث لا يعلم إرادة الخياطة هذا أيضا ناظر إلى ما هو الظاهر من الجواب المتقدم من جواز اجتماع الطاعة والعصيان مع كون جهة الأمر مطلقة ليتعلق الطلب بالفعل كيفما اتفق وقد عرفت وهنه وأنه مخالف لما هو بصدده وبه يبعد أيضا ما مر من التوجيه الأول قوله فإذا أوجد المكلف الغصب بهذا الكون صار متعلقا للنهي قد يقال إنه إذا كان الكون المفروض من أفراد طبيعة الغصب وكان النهي المتعلق بها متعلقا حقيقة بأفرادها الكون المفروض متعلقا للنهي سواء أوجد المكلف كلي الغصب في ضمنه أو لا إذ ليس إيجاد المنهي عنه سببا لتعلق النهي به فلا يتجه ما ذكره من أنه إذا أوجد المكلف مطلق الغصب في ضمن الكون الخاص صار متعلقا للنهي ويمكن دفعه بأن متعلق الأمر والنهي إنما هو نفس الطبيعة لكن لا من حيث هي بل من حيث الوجود وقضية ذلك أن يتصف أي فرد من أفراد الطبيعة مما يتحقق إيجاد تلك الطبيعة في ضمنه بالوجوب أو التحريم وفي صورة الترك إنما يكون الواجب أو المحرم أيضا أمرا واحدا وهو الطبيعة المطلقة من حيث الوجود فليس في تركه بجميع الأفراد تاركا لواجبات متعددة ولا تاركا لمحرمات عديدة كما قد يتوهم ذلك بناء على القول بتعلق الأمر والنهي بالأفراد سيما بالنظر إلى النهي لقضائه بتحريم جميع الجزئيات المندرجة في الماهية المفروضة الظاهر في تعدد المحرمات به فظهر بذلك أنه مع إتيانه بفرد من الحرام يكون ذلك الفرد متعلقا للنهي قطعا لاتحاد الطبيعة المحرمة به وكون إيجاده عين إيجاد المحرم وأما مع ترك الجميع فلا يتصف شيء من تلك الخصوصيات بالتحريم وإنما المحرم هو الطبيعة من حيث الوجود نعم يصح الحكم على أفرادها بالتحريم من حيث إيجادها مع الطبيعة إلا أنه لا يستفاد من ذلك أكثر من تحريم نفس الطبيعة بحسب الواقع وتوضيح المقام أن هناك فرقا بين اتحاد الطبيعة مع خصوصية الفرد بحسب الواقع وبين اتحادها معها على فرض وجودها من غير أن يتحقق هناك اتحاد بينهما في الواقع فإن الأول قاض بحرمة الفرد قطعا بخلاف الثاني إذ لا يثبت التحريم هناك بحسب الواقع لا لنفس الطبيعة دون أفرادها غاية الأمر أنها على فرض وجودها واتحادها مع الطبيعة يكون متصفة بالتحريم ولا يقضي ذلك باتصافها قبل اتحادها مع الطبيعة ووجود الطبيعة في ضمنها والحاصل أن النهي إنما يتعلق بنفس الطبيعة وهي المتصفة بالحرمة بملاحظة ذاتها واتحادها مع الفرد قاض بثبوت التحريم لخصوص الفرد المتحد معها فما لم يحصل السبب المذكور لم يصح الحكم بثبوت الحرمة لخصوصيات الأفراد نعم يصح الحكم عليها بالتحريم على فرض وجودها حسبما ذكرنا ظهر بما قررنا صحة ما ذكره المصنف رحمه الله من التعبير قوله فمتعلق الأمر في الحقيقة إنما هو الفرد إلى آخره وقد يستفاد من البيان المذكور سيما من هذه العبارة ذهاب المصنف ره إلى تعلق الأوامر والنواهي بالأفراد وهو قول مرغوب عنه عند المحققين وإنما المختار عندهم تعلقها بالطبائع وقد نص عليه المصنف فيما مر وفيه ما عرفت من أن الحكم بتعلقهما بالأفراد إنما هو بتسرية الحكم من الطبيعة إليها لا أنها بنفسها يتعلق بها الأوامر والنواهي من أول الأمر كما هو ظاهر القائل بتعلقهما بالأفراد والظاهر أن المختار عند المحققين هو تعلقهما بالطبائع من حيث الوجود وهو يرفع إلى مطلوبية الفرد فإن وجود الطبيعة في الخارج عين وجود الفرد فيكون الأمر بالطبيعة على الوجه المذكور عين الأمر بالفرد لكن لا مطلقا بل من حيث انطباق الطبيعة عليه وهذا هو الفرق بين القولين حسبما فصلنا القول في محله ولا يذهب عليك أن ما قرره المصنف هنا يوافق القول بتعلقهما بالطبائع على الوجه الذي قررنا وليس مبنيا على اختيار تعلقهما بالأفراد بل إنما ينافيه حسبما أشرنا إليه قوله باعتبار الحصة التي في ضمنه من الحقيقة الكلية إلى آخره يريد أن الفرد إنما يؤمر به من جهة الحصة الحاصلة في ضمنه من الطبيعة الكلية بناء على القول بوجود الكلي الطبيعي خارجا في ضمن الأفراد على أبعد الرأيين فيه ولا على القول الأقرب وهو وجوده بعين وجود أفراده فالأمر أظهر إن أريد به أن وجود الفرد وأنت خبير بأن القول بوجود الكلي الطبيعي في الفرد بحسب الحقيقة ملفق من وجودين أو أكثر أعني وجود الطبيعة وسائر العوارض المكتنفة بها لما تقرر من أنه لا اتحاد بينهما بملاحظة وجود كل منها في حد ذاته فتكون الطبيعة موجودة في ضمن الفرد بهذا المعنى إن كانت تلك الطبيعة عين تلك العوارض في بعض الاعتبارات لاتحادهما بحسب الوجود أيضا اتحادا عرضيا فيكون الطبيعة حينئذ عين أفرادها بتلك الملاحظة فليس هذا أبعد الرأيين في